فى مدينة العـقاد ـــ (159) ـــ إبراهيم الخليل

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

   النبوة

     يبدأ الأستاذ العقاد هذا الفصل ببيان أن الباحثين عثروا فى آثار بابل وأشور على كلمات كثيرة فى الألواح المسمارية من مصطلحات علم الفلك القديم ، ومنها أسماء المنازل والبروج ومجموعات الكواكب والنجوم . وأكثر هؤلاء معنى بمباحث التوراة وتواريخ الأنبياء لعلاقتها بأرض بابل أيام الخليل ثم أيام السبى بعد عصره بأكثر من ألف سنة .

     وقد عاد الباحثون يعارضون ما عثروا عليه إلى كتب العهد القديم ، وتوقفوا عند كلمات كانوا لا يلتفتون إليها سلفًا ، وعَنَّ لبعضهم أن بعض الأنبياء من العبرانيين كانوا على علم بالفلك بدلالة بعض النصوص التى كتبت بها نبوءاتهم .

     ومن المعلوم أن إبراهيم ليس له نصوص محفوظة منسوبة إليه ، ووجد الباحثون نبوءات ليعقوب فعارضوها على معلوماتهم عن اللغة المسمارية ، واختاروا منها ما كان من قبيل الطوالع الفلكية وهى الطوالع التى احتواها الإصحاح التاسع والأربعون من سفر التكوين ، والتى فيها ينبئ يعقوب أبناءه بما سيصيبهم فى آخر الأيام ، وتراءى لهم أن التوافق فى ألفاظها ومنازل السماء أوضح من أن يُعزى إلى المصادفة . ( سفر التكون
49 : 1
ـ 27 ) .

     هذه الطوالع التى وردت بالعهد القديم ، درست باستفاضة وتدقيق ، وكتب خلاصة دراستها الأستاذ « أريك بروز » فى كتابه « طوالع يعقوب وبلعام » ، وانتهى فى دراسته فيما ينقل إلينا العقاد إلى وحدة بين كل اسم من أسماء الأسباط وبين برج من أبراج
السماء .

   وأخذ الأستاذ العقاد يورد هذه المقابلات بين الأسماء والأبراج ، لينتقل إلى أن علماء الأحافير مضوا على هذا النمط فى تفسير هذه الطوالع ، ومن تفسيراتهم ما هو قريب ومنها ما هو بعيد معتسف ، بسبب ارتباط الجناس اللفظى بمدلول الفلك وتارة بمدلول النسب والتاريخ .

     وقد صنعوا مثل ذلك فى دراسة طوالع « بلعام » كما جاء فى الإصحاح الثالث والعشرين وما بعده من سفر العدد بالعهد القديم ، وقد اشتملت على تكرار العدد سبعة ، وعلى اسم الثور والحمل والظبى والأسد وعلى طوالع الأمم التى ليست من إسرائيل ، كما عارضوا المصطلحات الفلكية على أقوال الأنبياء الآخرين ، وثبت على الأقل من هذه المعارضات أن معرفة الفلك كانت شائعة عند كتاب هذه الطوالع ، سواء كتبت على لسان الأنبياء الذين نسبت إليهم أو كتبت رواية عنهم بعد أيامهم .

     فإذا صحت هذه التخريجات ـ كلها أو بعضه ـ فإن هذا الموضوع من الموضوعات التى تطابقت فيها الأحافير ـ فيما يقول العقاد ـ وأخبار التواريخ الأثرية والتواريخ القديمة فى معرفة الأنبياء الأوائل بالنجوم ، ويترك الأستاذ العقاد المبالغات التى من قبيل مفاخر « يوسيفوس » ودعواه أن إبراهيم هو الذى علم أحبار المصريين أسرار الكواكب وحساب الفلك .

   ويذكر الأستاذ العقاد أنه جاء فى القرآن الكريم أن إبراهيم كان ينظر فى النجوم ، وأن يوسف كان يعبر بالرؤيا ، وأن موسى كان يطلع على سحر الكهان . فمن موافقات الأحافير أنها تأتى بالسند المكتوب الذى يشرح لنا تفصيلات هذه الأخبار ، ويكاد يعين لنا ـ فيما يقول ـ الوقت الذى كتبت فيه طوالع الأنبياء .

الحد الفاصل بين النبوة والكهانة

     الكهانة وظيفة ، والنبوة وحى ورسالة . والفرق بين النبى والكاهن فى جوهر العمل أوسع جدًا من الفرق بينهما فى التعيين والاختيار ، فالكاهن موكل بالشعائر والمراسم والأشكال ، يحرص عليها ويأبى أن يشاركه فيها أحد ، ولكن النبى تعنيه روح الدين وحقيقته فى الضمير .

   سريرة الإنسان هى وجهة النبى وغايته من التبشير والنذير , أما الكاهن فوجهته نظام المجتمع وتقاليد الدولة وما إليها من الظواهر والواجبات العامة .

     ولم تخل الديانات الكبرى ـ قبل الإسلام ـ من أحبار يوجبون ويحذرون , ولكن الإله يبدو عندهم أشبه برئيس الديوان الذى يجرى الأحكام وفقًا للمأثور من نظام الدولة , والكاهن أشبه بمندوبه وأمين سره فى المحاسبة .

     أما النبى فالعالم الذى يصوره أسرة حية , والإله قائم على ذلك العالم لأنه على صلة قريبة بكل من فيه من خلقه , وكل كائن من تلك الخلائق رهين برضاه وسخطه , وذو شأن فى دعوة الدين , وأهمه وأصدقه ما كان فى الضمائر والنيات .

     وإذا كان هذا الطابع ملازمًا لبعثات الرسالة حول مدن القوافل جميعا , فقد عرفنا ما نفتقده إذا افتقدنا سرًّا من أسرارها , وعرفنا كيف نتتبع آثارها فلا نخبط فى الضلال أو نضيع البحث فى شكوك محيرة للسالك .

أنبياء من غير بنى إسرائيل

     كلمة النبى عربية لفظًا ومعنى .. فهى لفظًا من مادة النبأ والنبوءة , وهى فى المعنى تجمع معانى الكشف والوحى والإنباء بالغيب والإنذار والتبشير . بينما تعبر اللغات الأخرى عن معان متفرقة بكلمات متعددة .

   وكلمة النبى فى العربية تدل على معنى واحد لا تدل على غيره , خلافًا لأمثالها من الكلمات فى كثير من اللغات .

   وقد أشارت التوراة ـ فيما يقول العقاد ـ إلى ثلاثة أنبياء من العرب غير « ملكى صادق » الذى لقيه الخليل عند بيت المقدس , وهؤلاء الأنبياء الثلاثة هم يثرون وبلعام وأيوب .

     وقصة « بلعام » تروى ما حدث بين شيوخ مديان ( مدين ) بعد خروج بنى إسرائيل من مصر , فإن « بالاق » ملك « موآب » قد استعان عليهم بالنبى « بلعام » من تخوم العراق ليبطل دعواهم باسم النبوة .

     وأما « يثرون » فهو نبى مدين قبل خروج بنى إسرائيل من مصر , ويظن بعض الشراح أنه شعيب المشار إليه فى القرآن , ولعل شعيبًا ـ فيما يقول العقاد ـ هو قريبه ( هوباب ) أو ( شوباب ) بمعنى محبوب الله , وبالنظر إلى تقارب النطق العربى والنطق العبرى تقاربًا محسوسًا , وما يقوله بعض شراح التوراة من أن « يثرون » لقب وليس اسم , فلا يبعد إذن أن يكون « شعيب » اسمه الذى لم يذكروه .

   ومجمل قصة « بلعام » و « يثرون » أو شعيب , أن النبوة كانت معهودة متكررة فى تلك الأرض قبل خروج بنى إسرائيل من مصر .

     أما « أيوب » فمن الشراح من يحسبه من أهل عمان , ومنهم من يحسبه من أهل نجد , وذكر أحدهم أن مقارنات الفلك تجعل تاريخ أيوب قريبًا من سنة 2300 ق . م .

   ومما يقرب هذا التقدير ـ فيما يرى العقاد ـ ويدل على اتصال أيوب بالبلاد المصرية , أنه ذكر الأهرام والمدافن التى يبنيها الملوك لأنفسهم . ولا شك عند جمهرة من الشراح أنه سبق عهد الخروج من مصر , ومن جامعى التوراة من يضع سفره ـ سفر أيوب ـ بين كتب موسى وكتاب يوشع وسائر الأنبياء .

   أما عقيدة أيوب كما نفهم من سفره المجموع فى العهد القديم , فغاية فى السمو والكرم والتنزيه.        

 ( يتبع )

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *