فى مدينة العـقاد ـــ (158) ـــ إبراهيم الخليل ــ مدن القوافل

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

     يرى الأستاذ العقاد أن أكثر غوامض التاريخ يخلقها المؤرخون , لأنهم ينظرون إلى التاريخ كأنه حسبة أرقام لإحصاء السنين والأيام , أو كأنه أطلس مواقع ومعالم , أو سجل حوادث و أنباء .. بينما الأجدى أن تؤخذ معالمه وحوادثه من زاوية أنها وصف للنفوس الإنسانية .

   وقد غمض على المؤرخين ـ فيما يرى ـ شىء كثير من أحوال الرسالات النبوية , لأنهم لم يراقبوا حالة مشتركة فيها جميعا , هى « الحالة النفسية » التى تكون عليها الأمم فى طور واحد , هو طورها حيث تتصل بالبداوة والحضارة .

   ويثير الأستاذ العقاد سؤالاً : لماذا اختصّ الله الأمم السامية بالرسالات النبوية ؟ ولماذا لم تظهر الرسالات فى الهند أو فى الصين أو فى القارة الأوروبية ؟

   تلك أسئلة غامضة تظل على غموضها , إلى أن ننظر فى الأحوال النفسية التى يكون عليها الإنسان بين الحضارة والبداوة , دون أن ينفرد أى منهما بالتأثير , بل لابد فيها من التقاء الشعورين وامتزاج المجتمعين .

   وهذا يطرح سؤالاً أكثر تحديدًا : لماذا كانت مدن القوافل أو المدن القريبة من الصحراء , أصلح البلدان للرسالات النبوية ؟

     السبب أن الأحوال النفسية التى تتوافر فيها ـ لا تتوافر فى حضارة العمران المتصل , ولا فى الصحراء المنعزلة , وإنما حيث تقترب الحضارة والبداوة .

   الملحوظ أن أقطار الحضارة تتصل وتتلاحق فيها مظاهر العمران , وتعطينا المشترعين والكهان ولا تعطينا الأنبياء والرسل ..

     وقد يتهيأ لدولة حضارة من الأسس ما يجعلها تسبق البداوة إلى الإيمان بالوحدانية , ولكن الملاحظ أن مسألة الدين فيها تؤول إلى سلطان الكهان , وهم أعداء الأنبياء , وعداوتهم لهم ليست خافية بل واضحة فى صفحات تواريخ الرسالات .

   وحين توطد سلطان الكهنوت فى بنى إسرائيل ـ خرج من الكهان أنفسهم من يتنبأ وينكر دعوة النبوة على غير أصحاب الكهانة . ومن دلالات ذلك ما جاء الإصحاح الثالث عشر من سفر زكريا ( 13 : 2 ـ 6 ) , فضلاً عن أمثلة لدلالات أخرى استشهد بها العقاد دليلاً على صواب استنباطه .

   فإذا ما شاع الفساد فى مواطن الحضارة , صارت المسألة فى هذه الحالة مسألة تشريع وقانون أو مسألة تنظيم وتدبير , وربما حالت ألفة العادات الفاسدة دون التنبه إلى إصلاح بالتشريع أو بالتنظيم .

     ويرى الأستاذ العقاد أن أوضح الأمثلة على موقف الحضارة بالنسبة للدعوات الدينية ـ هو مثل الملك إخناتون فى الديار المصرية . ذلك أن دعوته بلغت بالتوحيد والتنزيه أعلى مرتقاها فى تلك العصور , ولكنها جاءت من طريق الأوامر والقوانين , ولم تلبث لذلك أن ذهبت بذهاب الملك .

     وطفق الأستاذ العقاد يحصى بصبر الأسباب التى هيأت مدن القوافل الواقعة بين البداوة والحضارة لاستقبال الدعوات الدينية , التى تتهيأ أسبابها بين الحاضرة والبادية , ولابد لها من التقاء هذه وتلك , ولا غنى لها عن صفات المدينة وصفات الصحراء . ولحكمة بالغة قال رسول الله عليه الصلاة والسلام : « ما من نبى إلاَّ وقد رعى الغنم » .. ولحكمة بالغة قامت مدينة القزافل بدورها فى تاريخ بنى الإنسان , فنشأ الحكام والنساك فى الصين والهند على مثال « كونفشيوس » و « بوذا » ولم ينشأ فيهم الأنبياء والمرسلون والرسل المجاهدون . إذ اقتضت أمانة النبوة المجاهدة على شاكلة غير الإصلاح والتعليم .

   ويرى الأستاذ العقاد أنه لو تمت دراسة التواريخ الدينية فى الشرق العربى على ضوء هذه الحقيقة , لما تسرع المتسرعون بالنفى والإنكار تارة , وبسوء الفهم والفهامة ( العىّ ) تارة أخرى ـ بل لكان من الميسور على الباحثين أن يربطوا بين الدعوات الدينية كما ترتبط حلقات السلسة الواحدة , وأن يملأوا فراغ التاريخ بما يسده , بدلاً من اختلاق الفراغ حيث لا فراغ ..

   لقد عرف بعض الفلكيين أماكن الكواكب المجهولة قبل اختراع المراصد والمجاهر المكبرة , لأنهم قدروا مواقعها من الفلك بحساب المدارات والأحجام .. وعرف بعض الكيميين أماكن عناصر لم يشهدوها فى الطبيعة , لأنهم قدروا نسبة الكهارب والنواة فيها إلى العناصر المشهودة .

   ويصل الأستاذ العقاد من هنا إلى بيت القصيد الذى سعى إليه , أنه لو تم تتبع سلسلة الدعوات فى مواقعها وتواريخها ـ لما قال المتشككون إن إبراهيم لم يوجد , بل لقالوا إن هنا مكان لإبراهيم لابد أن يشغله , ولاستطاعوا بالبحث والمقارنة وربط النتائج بمقدماتها ان يربطوا بين أور وأشور وبيت المقدس وجاشان والبتراء ومكة , لأنها نسق واحد يدل الأخير منه على الأول كما يتقدم الأول منه فى زمانه ووضعه على الأخير .. فكلها دعوات لابد فيها من شخص الرسول ولابد فيها من عنصر الحضارة والبداوة , ولابد فيها من هذا الاطراد فى مراحل التطور على نهجه الوحيد .

     وبقياس التاريخ بمقياسه , وإذا كانت دعوات النبوة متصلة بمدائن القوافل , فليس أولى من بلاد بين النهرين أن تبدأ منها الدعوة الأولى فى العصر القديم , لما اتسمت به وانفردت به .. وترتيب مدن هذه البلاد وفق مكانها ومكانتها فى وادى النهرين , وفى العالم كله : يبدأ من مدينة « أور » فى الجنوب وينتهى إلى مدينة « أشور » شمالاً , ثم يتجه غربًا وجنوبًا إلى فلسطين ومدن خليج العقبة فالحجاز , حيث تلتقى قوافل الشمال وقوافل الجنوب .

     فمدينة « أور » أهم هذه المدائن لأنها تتلقى التجارة من البحر ومن البر وتنقلها بين الشرق والغرب , وتليها فى مكانها ومكانتها مدينة « أشور » لأنها تأخذ من الجنوب وتوزع على ما حولها , وقد تصل قوافلها إلى أقصى الشمال من القارة الأوروبية .

   وفى مدينة « أور » بدأت دعوة إبراهيم , وإلى مدينة « أشور » انتقلت ولم يطل بها القرار فى هذه النقلة العاجلة , واطرد الترتيب بزمانه ومكانه , فمن « أشور » إلى « حبرون » أو بيت المقدس , إلى مدن خليج العقبة إلى مدينة الحجاز المقدسة .. إلى مكة , وعندها نهاية المطاف .

( يتبع )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *