فى مدينة العـقاد ـــ (157) ـــ إبراهيم الخليل ــ الأحافير والتعليقات

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

    حول هذه وتلك , يطوف الأستاذ العقاد ببعض البلاد والسكان , ويسوق لاعتبارات أبداها أن المؤرخين يعتقدون أن اليمن هى مصدر العربية الأول , ويتلاقى على المؤرخون المحدثون والأقدمون من أهل الحجاز , فيقولون أن العرب العاربة هم أهل اليمن , ثم يليهم المستعربون ..

   بيد أن هذا الترتيب إن صح من حيث النسب , فإنه لا يصح فى رأيه من حيث الارتقاء باللغة , فاللغة العربية الأولى فى اليمن لم تبلغ من الصقل والفصاحة وانتظام القواعد ما بلغته لغة الحجاز .

   على أن البقايا التى تخلفت منذ عشرات القرون قبل الميلاد لا تدع مجالاً للشك فى وحدة اللغة بين الأقوام العربية فى شبه الجزيرة العربية وفى أرض الهلال الخصيب .

   واللغات السامية المشهورة فى القدم هى الأكادية , والأشورية , والبابلية , والسامية الشرقية والسامية الغربية , وتنقسم هذه إلى العربية الشمالية والعربية الجنوبية أى المعينية والسبئية والأثيوبية ومعها لهجات شتى بعضها قديم وبعضها حديث .. واللغات السامية القديمة ـ عدا الأكادية ـ تتقارب فى الأجرومية والنطق ..

   ويقرر علماء المقارنة الدينية ـ فيما يورد العقاد ـ مثل هذا التقارب بين عبادات العرب الأولين .. وظاهر كذلك أن وحدة الأصل واللغة كانت توقع اللبس فى تسمية القبيلة الواحدة أو الشعب الواحد .

     ومع التشابه فى السلالة العربية منذ القدم , لم يُعْثر على خبر واحد يفهم منه أن إبراهيم التقى بمن يعارض عقيدته الإلهية بعد خروجه من موطنه الأول .

   إنما اشتد الخلاف الدينى وخلاف العصبية بين أبناء هذه الشعوب عندما وَقَر فى أذهان طائفة من العبريين أنهم هم وحدهم ذرية إبراهيم المختارة ..

   وعلى كثرة الأحافير , لم يوجد بينها خبر يعين التاريخ فى أى حادث من الحوادث تعيين الجزم واليقين ..

   وعلة ذلك أن الدول الكبرى فى تلك العهود ـ لم تكن موحدة الحكومات , بل كانت منقسمة موزعة يتولى كل منها فى الوقت واحد ثلاثة أو أربعة أو أكثر من ذلك , فإذا ما حاول المنقب أن يضع لهم ترتيبًا متعاقبًا لا يلبث أن ينكشف له من محفورات جديدة أنهم كانوا فى عصر واحد .. وأمثلة ذلك عديدة ..

   وكان المظنون أن ترتيب الأسر فى مصر متعاقب , ثم ظهر من النقوش المتوافقة فى الزمن أن الأسرات الثانية عشرة والثالثة عشرة والرابعة عشرة حكمت فى عصر واحد بين أقاليم الوجه البحرى والصعيد .. واستبان أن الإصلاحات التى تمت فى إقليم الشلال لم تكن من عمل الهكسوس المعاصرين , وأن من هؤلاء الهكسوس من كان يرسل الهدايا والإتاوات إلى ملوك الصعيد ..

   ولا يرى الأستاذ العقاد داعيًا لتخطئة المؤرخين الذين نقبوا فى فلسطين , فعينوا للهكسوس تاريخًا غير تاريخ دولتهم بالديار المصريَّة , فإن زحف الهكسوس على جنوب فلسطين سابق بالبداهة لقيام دولتهم بالوجه البحرى من أرض مصر ..

*         *           *

     ويذهب الأستاذ العقاد بعد استعراض فروض بعض أصحاب الأحافير , إلى أن وطن إبراهيم كان عند سيناء وشمال الحجاز , وأن الجنوب كان مفتوحا له وأيسر له من الشمال , حيث تجول القبائل التى بلغ من قوتها أن تغير إحداها على بابل وتغير أخرى على مصر .. فأيسر من إجلائها عن أرضها أن يبقى حيث هو أو يمعن فى الجنوب ويستقبل الحجاز, وعبرة التاريخ هنا أن المتحذلقين الذين خطر لهم أن ذهاب إبراهيم إلى الحجاز أعجوبة ملفقة , أنه تبين ووفقا للتقدير الصحيح أن الأعجوبة هى اتجاهه من الجنوب إلى الشمال ..

اللغة

   ربما كان من المفاجآت لدى البعض , أن يقال إن إبراهيم عليه السلام كان عربيا , وإنه كان يتكلم العربية ـ ولكنها الحقيقة التاريخية , بيد أنها لا تعنى ـ بالبداهة ـ أن إبراهيم يتكلم العربية التى نكتبها اليوم أو نقرأها فى كلام الشعراء الجاهليين ومن عاصرهم .. وإنما اللغة المقصودة هى لغة الأقوام التى كانت تعيش فى شبه الجزيرة العربية و تهاجر منها وإليها , فقد كانت اللغة واحدة من اليمن إلى مشارق العراق والشام وتخوم فلسطين وسيناء .

     ويذكر الأستاذ العقاد أن تلك اللغة عرفت حينًا باسم اللغة السريانية غلطًا من اليونان فى التسمية , لأنهم أطلقوا اسم أشورية أو أسورية على الشام الشمالية , فشاعت تسمية العربية باسم السوريانية والسريانية من المكان الذى أقامت فيه بعض قبائل العرب الوافدة من شبه الجزيرة قبل الإسلام ..

   وربما كانت مفاجأة أشد لدى هؤلاء ـ أن يسمعوا أن الخليل لم يكن عبريًّا من العبريين .. فقد مضى زمن طويل والناس يفهمون العبرية واليهودية بمعنى واحد , بينما لم تكن اليهودية قط مرادفةً للعبرية .. فالعبرية فى نحو القرن العشرين قبل الميلاد كانت كلمة عامة تطلق على طائفة كبيرة من القبائل الرحل فى صحراء الشام , وبهذا المعنى وردت كلمة العبرى والابرى والهبيرى وما قاربها لفظًا ـ فى أحافير « تل العمارنة وفلسطين وآسيا الصغرى والعراق » , وجاءت بهذا المعنى فى الكتابات « المسمارية » و « الفرعونية » , ولم يكن لليهود وجود فى ذلك الحين ..

     ولما وجد اليهود وانتسبوا إلى إسرائيل ـ كانوا هم أنفسهم يقولون عن العبرية إنها لغة كنعان , ثم انطوت العبرية فى الآرامية التى غلبت على القبائل جميعًا بين فلسطين والعراق .. مع اختلاف يسير بين الآرامية الشرقية والآرامية الغربية .. وأصبحت العبرية لهجة تختلف بنطق بعض الحروف كما تختلف القبائل فى هذا النطق إلى هذه الأيام .

     وبعد استعراض بعض الأمثلة والدلالات فى الإصحاح الثانى عشر من سفر القضاة , وفيما كشف عنه حجر « موآب » المشهور , والدلالات القوية على العلاقة بين إبراهيم والحجاز , انتقل الأستاذ العقاد إلى ما رجحه البعض من أن اسم « ابرام » يتألف من أب ورام , وأن رام هنا بمعنى أحب , أى أن الاسم « محبوب الله » , وهو وصف يوافق تلقيبه بخليل الله .

     واستخلص الأستاذ العقاد من التقارب فى اللغة والكتابة , خطأ مهاجمى الإسلام الذين قالوا إن اسم « آزر » الذى ورد بالقرآن كأب لإبراهيم فى قوله تعالى « وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر .. » , يخالف اسمه كما ورد فى العهد القديم وهو « تارح » , فقد حاول بعض المفسرين المسلمين أن يجعلوا لكلمة « آزر » موضعًا من الإعراب أو مدلولاً يبطل هذا النقد , بينما لا محل لذلك كله عند النظر فى أصول الأسماء وما شاع لدى شراح الكتب الإسرائيلية , مما يجوز معه أن « تارح » و « آزر » لفظين لاسم واحد , موضوعًا فى الاعتبار أن اللغات السامية لم تكن تكتب لها حروف علة إلى زمن قريب . وأن مؤدى هذا وما ساقه العقاد من استدلال طويل , أن « آزر » هى النطق الصحيح الذى عرف به اسم « أسور » القديم , وأن « تيره » و « تيرح » هى نطق الذين يكتبونها « آثيرة » و « أتيرح » وينطقون بكلمة آتور بين الواو والياء .

   على أنى قرأت بحثًا طويلاً فى الكتاب الضافى « من إعجاز القرآن » عن اسم العَلَم الأعجمى فى القرآن مفسرًا بالقرآن , للأستاذ العالم الباحث المدقق محمد رءوف أبو سعده ( مطبوعات الهلال 1/260 ـ 268 ) , طرح فيه تصورًا آخر فى شأن « آزر » و« تارح » ـ أحيل عليه لمن يريد الاستزادة , وخلص إلى أن النظر الذى ساقه الأستاذ العقاد ليس بقوى رغم ضخامة الجهد ونبل المقصد , وأن أقرب ما يُرَدّ به على هذا النظر أن العبرانيين لم يقرأوا اسم أبى جدهم إبراهيم فى صحيفة أو نقش , وإنما سمعوه من إبراهيم شفاهة . على أن العالم الكبير الأستاذ الدكتور محمود محمد الطناحى الذى قدم لكتاب « من إعجاز القرآن » , كتب فى التقديم أنه مع تقديره لهذا البحث القيم , إلاَّ أنك يمكن أن تختلف مع المؤلف فى بعض ما إنتهى إليه من الربط بين « آزر » و « تارح » ولكنك ستكبر فيه صدق الجهد وقوة الحجة .

     وحسبنا هذا لنتوقف عند ما أنهى به الأستاذ العقاد بحثه عن اللغة , من أن البينة الكبرى التى تأتى من مباحث اللغة ـ هى التقارب الشديد بين لغة الحجاز و ولغة النبط أو النباتيين الذين ينتمون إلى أبناء إسماعيل .. 

( يتبع )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *