فى مدينة العـقاد ـــ (154) ـــ إبراهيم الخليل مصادر التاريخ القديم

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

     يعنى الأستاذ العقاد بمصادر التاريخ القديم , أقوال المؤرخين الأقدمين الثقات , واختار منهم ثلاثة ينتمون إلى الأديان الكتابية الثلاثة : « يوسيفوس » عن العبرانيين , و« ابن العبرى » أبو الفرج بن هارون صاحب « مختصر الدول » المتوفى سنة 1286 , وهو المثل الوحيد للمؤرخ القديم من الوجهة المسيحية , أما المؤرخ الثالث فهو « أبو الفداء ـ الحافظ ابن كثير » صاحب « البداية والنهاية » فى التاريخ , و « تفسير القرآن العظيم » فى التفسير .

( 1 ) تاريخ يوسيفوس 

     استعرض عنه الأستاذ العقاد شجرة نسب إبراهيم عليه السلام , وأخوته , وابن أخيه لوط الذى ولد لشقيقه « آران » ( حاران ) , وما ولد لكل منهم , وأن إبراهيم نظرًا لكونه لم يعقب قبل أن يولد له مؤخرًا إسماعيل ثم إسحق , تبنى لوطًا ابن أخيه « حاران » وشقيق زوجته « سارة » وكيف ترك بلاد الكلدانيين وهو فى الخامسة والسبعين ليذهب إلى كنعان حيث أمره الله وحيث ترك ذريته من بعده .

   وكيف كان إبراهيم ذكيا متيقظ الذهن , مقنعا لمن يسمعه , مصيبًا فى فهمه واستدلاله , فأدرك من الحقائق والفضائل ما لم يدركه سائر البشر , واعتزم أن يصحح الأفكار الخاطئة التى شاعت فى زمانه , وكيف تقلب بين السماء والكواكب حتى اهتدى لله رب العالمين .

     وروى « يوسيفوس » أسباب هجرته إلى مصر , حين أصاب أرض كنعان القحط , وكيف أدى خوفه من ولع المصريين بالنساء إلى الادعاء بأن « سارة » أخته لا زوجته , إلى آخر القصة التى أوردناها سلفًا عن سفر التكوين .

     ثم كيف قسم الأرض بينه وبين لوط بعد عودته إلى أرض كنعان , حتى لا يتنازع رعاتهما المرعى , وكيف ترك لوطًا يختار ما يشاء من الأرض ورضى بما تركه له فى منخفض الأرض فى تابرو ـ حبرون , أما لوط فقد اختار السهل إلى ناحية نهر الأردن غير بعيد من مدينتة « سدوم » العامرة التى قضى عليها فيما بعد بالخراب .

     وما شجر من اشتباك بين السدوميين والأشوريين , والقتال العنيف الذى دار بينهم وهلك فيه كثيرون , وخروج إبراهيم لنجدة السدوميين ولوط حين خشى على ابن أخيه , وكيف انقض على الأشوريين وأخذهم بغتة وذبح بعضهم على فراشهم جاهلين بمصيرهم , ثم جَدَّ فى اقتفاء أثر الهاربين منهم .

     وحين عاد إبراهيم ولوط , لقيه ملك « سدوم » بالوادى الملكى بالترحاب , واختاروه كاهنًا لله .

     ثم كيف أحزن إبراهيم عقم زوجته « سارة » , وكيف دفعت إلى فراشه بإحدى جواريها المصريات ( هاجر ) , وحملت وولدت له إسماعيل , وما شجر بعدها بين هاجر وسارة التى سعت لإذلالها بعد أن أنجبت , وكيف لم تصبر هاجر على مذلتها فهربت إلى البرية إلى آخر القصة التى مرت بنا نقلا عن سفر التكوين .

   ويروى « يوسيفوس » أن إبراهيم سأل ربه عن إسماعيل هل يعيش ؟ فأنبأه الله أنه سيعيش ويعمر ويصبح أبًا لأمم عظيمة , فشكر إبراهيم ربه , وختن إسماعيل وهو فى الثالثة عشرة , بينما كان أبوه فى التاسعة والتسعين .

   وروى « يوسيفوس » قصة « سدوم » ونجاة لوط بعدما كان من قصة ابنتيه اللتين خافتا أن يموت بلا ذرية فيهلك الجنس البشرى .

     ثم روى مولد إسحاق وختانه فى اليوم الثامن , وأن العرب يؤجلون ختان ذكورهم إلى سن الثالثة عشرة أسوة بختان إسماعيل , وكيف أن سارة كانت قد عادت فأصرت على إقصاء هاجر التى كانت قد عادت استجابة لأمر ربها , فخرجت هاجر بابنها حيث كاد أن يموت عطشًا تحت شجرة من أشجار التنوب لولا أن هدى الملك من الرب هاجر أمه إلى ينبوع ماء قريب .

   وأورد « يوسيفوس » أنه حين بلغ إسماعيل مبلغ الرجال زوجته أمه من مصرية من قومها فولدت له اثنى عشر ولدًا , واستولى هؤلاء على الأرض كلها من العراق إلى البحر الأحمر وسمو بالنبطيين , وبأنهم هم الذين سميت جميع أمة العرب باسمهم إكرامًا لشأنهم ولمكانة إبراهيم .

     ثم كيف تزوج إبراهيم بعد ذلك من « قطورة » وأنجب منها ستة أبناء أقوياء , فأرسلهم أبوه يلتمسون منازل فى بلاد العربية السعيدة التى تمتد إلى البحر الأحمر , وختم « يوسيفوس » قصة إبراهيم بنبأ وفاته وقيام إسحق وإسماعيل بدفنه بجوار زوجته « سارة » فى « حبرون » .

( 2 ) ابن العبرى

اختاره الأستاذ العقاد لهذا الموضوع , لأنه إمام من أئمة الكنيسة السريانية التى ينتشر أتباعها فى موطن إبراهيم ويحفظون أخباره التقليدية منذ القرن الأول للميلاد .

   وبعد أن أورد ابن العبرى شجرة نسب إبراهيم , ذكر أن إبراهيم ولد له إسحق وعمره مائة سنة , وجميع أيامه مائة وخمسة وسبعون , ولكن عاد بعد ذلك إلى السياق الزمنى بترتيبه التسلسلى , فذكر خبر سفر إبراهيم وزوجته سارة ولوط ابن أخيه إلى أرض كنعان , ثم كيف وعده ربه وهو فى سن الخامسة والثمانين بأن يجعل نسله كعدد الكواكب فى السماء , وذريته كرمل البحار , فوثق بوعد ربه , ثم إنه دخل مصر وأخفى أن سارة زوجته , وادعيا أنها أخته مخافه فرعون , ثم ردها فرعون إليه بعد أن علم الحقيقة مع هدايا جزيلة من جملتها « هاجر » المصرية التى اتخذتها سارة أمةً لها .

       وأورد أنه لكون إبراهيم لم يكن له ولد من امرأته سارة , فقد سمحت بجاريتها
« هاجر » فوطئها إبراهيم وولدت له إسماعيل , هنالك استهانت هاجر بمولاتها فأزاحتها سارة غاضبة إلى القفر , ولكن ملك الرب تراءى لهاجر وناداها ألا تيأس من رحمة ربها , فإن الله قد بارك على الصبى حين خاطب أباه إبراهيم .

   وأضاف ابن العبرى أنه بعد أن مضت مائة سنة من عمر إبراهيم ، ولد لإبراهيم إسحق من سارة , ولما بلغ إسحق تسع عشرة سنة أصعده إبراهيم لجبل إبراهيم ليضحى به ضحية لله تعالى , ففداه الله بِحَمَلٍ مأخوذ من الشجرة وأنقذه . وأضاف ابن العبرى أن « الحمل مثال لسيدنا يسوع المسيح له المجد الذى فدى العالم بنفسه » .

   وعندما بلغ إسحق الثامنة والثلاثين ماتت أمه سارة وعمرها مائة وسبع وعشرون سنة , وتزوج إبراهيم « قنطورة » ابنة ملك الترك , ولما توفى إبراهيم دفن إلى جانب زوجته سارة بقبرها فى المغارة المضاعفة التى ابتاعها إبراهيم من عفرون الحيثانى خوفًا من عودة الطوفان .  

(يتبع )

 

      

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *