إبراهيم الخليل ــ المراجع المسيحية

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

     لم تزد المراجع المسيحية المعروفة بالعهد الجديد ، والمتمثلة فى الأناجيل الأربعة ورسائل الرسل وأقوال الحواريين الملحقة بها ـ لم تزد شيئا على سيرة الخليل الواردة فى سفر التكوين ، ولكنها جاءت فيما يقول العقاد ـ بتطور هام فى دعوته كما تلقاها اليهود فى عصر ميلاد السيد المسيح ، ويبدو هذا التطور فى ثلاث مسائل من كبريات المسائل الدينية :

     مسألة الحياة بعد الموت .

     ومسألة الوعد الإلهى للشعب المختار وعلاقته بالقومية أو الإنسانية .

     ومسألة الشعائر وعلاقتها بالروحانيات والجسديات .

     ففى عصر الميلاد كانت طائفة « الصدوقيين » من اليهود ـ تنكر القيامة بعد الموت ، ولا ترى فى كتب موسى الخمسة دليلاً واضحًا عليها .

     وكانت طوائف اليهود الأخرى تؤمن بالثواب والعقاب على الجملة ، دون توسع فى وصفهما أو سندهما .

     وكانوا إذا وصفوا سوء المصير عبروا عنه بالذهاب إلى « الهاوية » ( شيول ) ، وإذا وصفوا الرضوان قالوا إن الميت انضم إلى قومه أو اجتمع بقومه .

     وانتشرت بين أهل فلسطين من اليهود وغيرهم عقائد المصريين فى اليوم الآخر ، نقلا عن أهل الإسكندرية التى كانوا يترددون عليها ، فى وقت لم تكن فى العالم معاهد للثقافة والبحث أكبر من معاهد الإسكندرية .

     فلما جاءت الدعوة المسيحية ، جاءت بوصف للعالم الآخر لم يكن معهودًا فى كتب اليهود ، ولكنه وصف لا سبيل لهم إلى الاعتراض عليه ، لأنه قائم على قاعدة من دعوة إبراهيم .. ففى مسألة الحياة بعد الموت ، ضرب السيد المسيح مثل إبراهيم ولعازر والرجل الغنى فى العالم الآخر .

     ويقول الشراح إن « عظة » السيد المسيح يمكن أن تكون خبرًا ، ويجوز أن تكون مثلاً ضربه لهم من قصة معروفة لديهم . ويقول « لوثر كلارك » شارح التوراة والإنجيل إن اسم لعازر « اليعازر » معناه « إيل آزر » أو الله أعان ، وإنه من الأسماء التى تطلق على المجهولين عند ضرب الأمثال ، مثلما نقول فى العربية زيد وعمرو .. الخ .

     والذى لا خلاف عليه أن وصف الحياة الأخرى وما فيها من ثواب وعقاب ، مَثَّلَ معنىً جديدًا لم يسبق له مثيل فى كتب العهد القديم . فلم يرد بها ـ فيما عدا كتاب المكابيين ـ عبارة « حضن إبراهيم » أو غيره من الأنبياء بهذا المعنى الذى ورد بدعوة السيد المسيح .

     وقد كان رجاء الحياة بعد الموت مقصورًا فى أيام العهد القديم ـ على البعث الذى سيعقب ظهور المسيح ، ولكن صار شائعًا بين طوائف اليهود فى عهد عيسى عليه السلام ـ أمثال مثل الغنى والعازر فى انجيل لوقا .. وفيه يقول السيد المسيح : « فمات المسكين وحملته الملائكة إلى حضن إبراهيم » ، ومن هذه العبارة صار « حضن إبراهيم » مرادفًا لمعنى النعيم أو السماء .

     أما « الهاوية » ، فقد ورد فى المزمور السادس عشر من مزامير داود ( 16 : 10 ) ، وفى الإصحاح الثانى عشر من سفر دانيال الذى جاء فيه « وكثيرون من الراقدين فى تراب الأرض يستيقظون هؤلاء إلى الحياة الأبدية وهؤلاء إلى العار .. » ( دانيال 12 : 2 ) ؛ ولكن ورد فى سفر التكوين أن « الهاوية » مصير جميع الموتى ، وجاء على لسان يعقوب فى الإصحاح السابع والثلاثين من سفر التكوين وهو يبكى نجله يوسف : « إنى أنزل إلى إبنى نائمًا إلى الهاوية » . ( التكوين 37 : 25 ) .

     وكل ما ورد فى العهد القديم باسم جهنم ، هو فى الأصل العبرى ـ فيما يقول العقاد ـ باسم « شيول » أو « الهاوية » .

     أما عقيدة الحياة بعد الموت للأبرار والأشرار ، فقد وردت فى عصر المسيح على نحوٍ لم يكن معروفًا قبله .

     *           *           *

     ومن العقائد التى ظهرت مع المسيحية ، أن رسالة إبراهيم روحيه وليست جسدية ، وأن المقصود بذريته هم السائرون على نهجه ، ونلمس هذا المعنى فى أقوال السيد المسيح بإنجيل متى عمن يجيئون من المشارق والمغارب فيتكئون مع إبراهيم وإسحق ويعقوب ، وفيما ورد فى كلام يحيى المغتسل أو يوحنا المعمدان : « أقول لكم إن الله قادر أن يقيم هذه الحجارة أولادًا لإبراهيم » ، وهو معنى تكرر على لسان السيد المسيح فى انجيل لوقا ( 13 : 24 ـ 30 ) . هذا غير أمثلة أخرى ضربها الأستاذ العقاد ، فضلا عما قاله
الشراح المحدثون فى التعليق على أقوال بولس الرسول ، فيما بدا منها
ـ كأقوال الفيلسوف
« فيلون
» السكندرى ـ أن الاتجاه صار مستعدًّا فى بعض البيئات لاعتبار حياة إبراهيم كلها دائرة حول الثقة بالغيب .

     *           *           *

     ويضيف الأستاذ العقاد أن أخبار « التلمود» و« المدراش » عن إبراهيم ظلت شائعة بين المسيحيين كما كانت شائعة قبل الميلاد ، لأنهم يرجعون إلى العهد القديم وشروحه ، ولكنهم اعتبروا أن بشائر إبراهيم كلها مرهونة بظهور المسيح الذى يكون الخلاص على يديه .

     وقد سرت أخبار العهد القديم وتفسيراته بين المسيحيين ، ثم تفرق رأى الكنائس المسيحية فى النظر إلى العهد القديم ، فمنها ما يعتبره كله وحيًا منزلاً ، ومنها ما يقصر ذلك التوصيف على أسفار أو كتب موسى الخمسة ، ومنها ما يعتبره كله أخبارًا تاريخية أو وقائع مروية فى صيغة شعرية .

     وعلى حسب النظر إلى هذه الكتب ، يختلف النظر إلى إبراهيم من حيث اعتقاد العصمة أو الخطيئة .

     بيد أن المراجع المسيحية فى العصر الحديث ، عنيت أكثر من المرويات الشعرية ـ بالناحية التاريخية فى حياة إبراهيم الخليل ، وشاعت فى القرن الأخير بدعة الشك فى وجود أقطاب الأديان ، وفى مقدمتهم إبراهيم وسلالته الأولون .

     وبعد ان استعرض الأستاذ العقاد عددًا من هذه المراجع ، معلقًا أو معقبًا عليها ، انتقل إلى تعليقات « هالى Halley » وما ترجحه من أن « امرافل » المشار إليه فى بعض الروايات ـ هو « حمورابى » أشهر ملوك البابليين ، وأن كارثة « سدوم » و« عمورة » التى حدثت فى عصر إبراهيم تقترن بالخراب الذى قضى على سكان المدن هناك حوالى
سنة 2000 ق . م .

     ويضع « هالى Halley » للحوادث المصرية مقابلاً من حوادث التوراة ، فيضع عصر إبراهيم مقابلاً للأسرة الثانية عشرة حوالى سنة 3000 ق . م ، وعصر يوسف مقابلاً للأسرة السادسة عشرة سنة 1800 ق . م ، على سبيل الاحتمال ، ويضع عصر موسى مقابلاً للأسرتين الثامنة عشرة والتاسعة عشرة بين سنتى 1500 و 1200 ق . م . ويرى العقاد أن الغرابة فى هذه التقديرات تبدو حين الرجوع إلى عصر إبراهيم وعصر يوسف ، فقد كان بينهما فى تقدير « هالى » ألف ومائتى سنة ، وهو ما لا يتفق مع المعلوم من أن يوسف ابن يعقوب ابن إسحق ابن إبراهيم ، مما لا يستقيم أن يكون بين إبراهيم ويوسف ألف ومائتى سنة ، وهو ما يتعارض أيضًا مع تعليقات وتقديرات المؤرخ الثقة « لوثر
كلارك
» ، والتى تضع عصر حمورابى حوالى سنة 1900 ق . م ، وعصر الآباء العبريين فى كنعان بين سنتى 1900 و 1700 ق . م ، وعصر يعقوب وأبنائه فى مصر حوالى سنة 1700 ق . م ، ونهاية عصر الهكسوس حوالى سنة 1550 ق . م .ويضارع كتاب
« كلارك
» فى صبغته العالمية ـ الكتاب الذى ألفه جماعة « دراسة العهد القديم »واشترك فى تاليفة عشرة من علماء هذه الدراسات ، وهو كتاب « العهد القديم والدراسة الحديثة » .

     وقد تتبع الأستاذ العقاد هذه البحوث والدراسات ، وكشوفات الآثار والنقوش ، لينتهى إلى أنه من المهم تمحيص كل هذه الأقوال لمن يريد تحقيق سيرة الخليل عليه السلام ، إذ هى لازمة لمعرفة العقائد والشعوب فى عصره ، لتنجلى حقيقة الرسالة وبواعثها ومبلغ الخلاف والوفاق بينها وبين ما حولها ، وأن ما أسلفه من بحث يعطى بصيص نور يرجو أن يضيف إليه بصيصًا آخر يفيض على جوانب السيرة جميعا .       ( يتبع )

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *