فى مدينة العـقاد ـــ (150) ـــ قصة الفداء المراجع الإسرائيلية

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

   أورد الإصحاح الحادى والعشرون من سفر التكوين ، أن « سارة » هى التى طلبت من إبراهيم أن يطرد الجارية هاجر وابنها ، حتى لا يرث مع ابنها إسحق ، فاستاء إبراهيم من طلبها من أجل ابنه ( إسماعيل ) ، ولكنه صرف هاجر وابنها بعد أن أعطاهما خبزًا وقربة ماء ، فمضت هاجر وتاهت فى البرية ، وبكت لغلامها فنادها ملاك الله من السماء ألاَّ تخاف وأن الله سمع صوت الغلام وأوصاها بأن تحمله وتمضى به وأن الله سيجعله أمه عظيمة . ( التكوين 21 : 1 ـ 21 ) .

     على انه برغم أن « إسماعيل » عليه السلام أسبق ميلادًا بسنين من « إسحق » ، إلاَّ أن الإصحاح الثانى والعشرين من سفر التكوين وصف « إسحق » بمناسبة قصة الفداء التى أسبقتها على « إسحق » بأنه « وحيد » إبراهيم ، وهو توصيف لا يتفق مع واقع أنه ولد بعد ميلاد إسماعيل ، ومن ثم لم يكن قط وحيدًا لأبيه ، فيقول الإصحاح الثانى والعشرون « وحدث بعد هذه الأمور أن الله امتحن إبراهيم . فقال خُذْ ابنك « وحيدك » الذى تحبه إسحق وأذهب إلى أرض المُريّا .. » إلى آخر قصته الفداء .
( التكوين 22 : 1
ـ 24 ) .

     وأفاض الأستاذ العقاد نقلا عن إصحاحات سفر التكوين ، فى بيان وفاة سارة ، وفى بيان أبناء إبراهيم من « قطورة » التى اتخذها زوجة ، وأولاده منها ، وفى بيان أولاد إسماعيل ، وأولاد إسحق ، وما ورد بالعهد القديم من إشارات كثيرة إلى إبراهيم عليه السلام ، منها ما يذكره ليذكر عهد الرب له ـ لا لإسحق ، ومنها ما ورد فى سيرته من إشارات ، والتى جاء أغلبها فى سفر التكوين أحد الأسفار الخمسة الأولى فى العهد القديم والتى يطلق عليها فى الغالب اسم التوراة .

تعقيب على مراجع العهد القديم

     عقب الأستاذ العقاد على المراجع الإسرائيلية ، بأن شراح العهد القديم اتفقوا على « تعدد النسخ » التى جمعت منها الأسفار الخمسة الأولى بصفة خاصة ، وأهمها نسخة « الوهيم » ونسخة « يهوا » ونسخة « الكهنة أو المسجلين » فضلا عن النسخة المسماة بنسخة التثنية التى لم يجد العقاد داعيًا للتطرق إليها بسبب أسلوبها اللغوى الذى لا يسهل التبسط فى خصائصه عند الكتابة بلغتنا العربية .

     ومن هذه النسخ ما كتب قبل الميلاد بثلاثة قرون ، وأقدمها عهدًا بينها وبين عصر الخليل ما يبلغ ألف عام .

     ويذكر الأستاذ العقاد أن الكهنة اجتهدوا فى تكملة الأجزاء الناقصة التى بين أيديهم عن طريق المقابلة بين الأخبار ، وأطال هؤلاء الشراح فى مقابلة المراجع ، ومن هذه النسخ ما ورد فيه عهد الميراث لإبراهيم ، ومنها ما لم يرد فيه هذا العهد قبل مولد إسماعيل .

     ويبسط الأستاذ العقاد شرحه لكتاب « المشنا » القديمة .. أهم المراجع الإسرائيلية بعد التوراة ، وما تحفظه « المشنا » مما استُظْهِرَ منه « التلمود » فى نشأته الأولى ، وما يزيد على « المشنا » من كتب تسمى « التصافون » من مادة يصاف أى يضاف ومعناها الإضافات ، وأكثرها من وضع الكهان الأوروبيين إلى القرن الثانى عشر للميلاد . ومن مرويات « المشنا » و« الجمارة » تجتمع كتب التلمود ، وهى قسمان : تلمود بابل ، وتلمود فلسطين ، ولكن التلمود لا يحتوى ـ فيما يقول ـ كل ما فى المشنا والجمارة .

     ويشير الأستاذ العقاد إلى المأثورات الإسرائيلية التى عرفت باسم « المدراش » أو الدراسات ، وتتضمن أقوال الفقهاء وحواشيهم على النصوص والمحفوظات ، وأشهرها « مدراش رباه » التى تدور كل دراسة منها على سفر من أسفار التوراة الخمسة .

 *           *         *

     ويستطرد الأستاذ العقاد فيورد أن اسم خليل الله وحبيب الله ـ يطلق فى الكتب الإسرائيلية على أنبياء غير إبراهيم ، أشهرهم موسى ويعقوب وسليمان ، وأنه يغلب على الكتب المتأخرة وصفة بالحبيب ، ويعتقدون أنه هو المقصود بقول « ارميا » فى الإصحاح الحادى عشر « ما لحبيبى فى بيتى » ( ارميا 11 : 15 ) .

     ويضيف أنه كثيرًا ما يقال فى كتب « المدراش » والتعليم ـ أن الدنيا خلقت من أجله ، وأن أبناء نوح ضلوا عن سواء السبيل وعبدوا الأصنام ، وأن مولد إبراهيم كان لاحقا بسنين لأبيه « تارح » ، وأن مولده كان مرصودًا فى الكواكب فأطلع عليه النمرود واستشار الملأ من قومه فأشاروا عليه بقتل كل طفل ذكر واستحياء البنات وإغداق العطايا على أهليهن ليفرحوا بمولد البنات .

     ويستطرد الأستاذ العقاد فى تتبع هذه القصص ، يحدوه إثبات أن إبراهيم الخليل شخصية حقيقية لا وهمية كما تأول البعض ، وهو ما أظن أنه تأويل باطل لا يحتاج كشف بطلانه لهذا الجهد الجهيد الذى أفاض فيه الأستاذ العقاد إفاضة تتفق مع موسوعيته وقوة عارضته .

*           *         *

     ويورد الأستاذ العقاد أن كتب « المدراش » تتفق على وصف الخليل بالسماحة والكرم والعطف على خلق الله من الإنسان والحيوان ، وأنه عاش حياته يطعم الفقير ويحسن على الجميع ويفتح بابه للاستضافة ولا يجلس إلى الطعام إلاَّ إذا نادى على الرائح والغادى ليشاركوه الطعام .

     وتذكر « مدراش رباه » فيما تذكر أن إبراهيم شفيع أمته يوم القيامة ، وانه سيقف على باب جهنم فلا يدع إسرائيليًّا مختونًا يدخلها ، وأن من ختن منهم مهما كانت ذنوبه ستصح له نعمة الغفران .

     أما « سارة » فقد خصتها « المشنا » بقسط كبير من الأخبار والنوادر ، لم يخل منها خبر أو نادرة من خلاف كثير ، فهى تارة أخت غير شقيقة لإبراهيم ، وتارة بنت أخيه الذى مات قبل الهجرة إلى أرض كنعان . وهى المرأة الوحيدة التى يقال إن الله خاطبها وهى نبيّة تنظر إلى الغيب وتدعو إلى الله أن ينقذ ذرية إبراهيم مما سيلقون من المحن والشدائد ، ولكنها فى مواطن كثيرة تعاقب لمخالفة السنن وضعف اليقين .

     وينتهى الأستاذ العقاد إلى أن هذه المرويات المتواترة بالسماع ، لا يظهر فيها الاعتماد على النصوص المكتوبة ولا سيما نصوص التوراة ، لأنها تخالف هذه النصوص
بل وتناقضها أحيانا ، وليست نصوص العهد القديم هى الأصل الوحيد الذى تدور عليه هذه الحواشى والتعليقات .                     ( يتبع )

 

      

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *