فى مدينة العـقاد ( 149 ) ـــ النبوات الكبرى ـــ إبراهيم الخليل

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

  من يتأمل فى إنتاج الأستاذ العقاد ، يلاحظ أنه كان يسير على نظام وخطة للوفاء بمعالم مشروع فكرى يشغله ، وتستطيع أن ترى ذلك بوضوح حين تناظر أنه أنتج أربعًا من كتب العبقريات الشخصية فضلاً عن كتابه عن الصديقة بنت الصديق ، تباعًا سنتى 1942 و1943 ، وفيهما أخرج كتبه الخمسة الرقيمة 20 ، 21 ،22 ،23 ، 24 فى سلسلة مؤلفاته ، وموضوعاتها تباعًا : عبقرية محمد ، وعبقرية عمر ، وعبقرية الصديق ، وعبقرية الإمام علىّ ، والصديقة بنت الصديق .

   وسبق هذه الكتب الخمسة عن العبقريات الإسلامية ، كتب ثلاثة يربط بينها خط فكرى واحد ، بدأها بكتابه « الله » ـ بحث فى نشأة العقيدة الإلهية ، وأصدره سنة 1947 ، وأخرج فى نفس العام كتابه الرائع فى استقطار زبدة الإسلام بعنوان « الفلسفة القرآنية » ، حتى إذا ما أوفى العقيدة الإلهية حقها ، ومبادئ الإسلام حقها ، كتب سنة 1948 « عقائد المفكرين فى القرن العشرين »

     فى عامى 1944 و1945 ، أخرج الأستاذ العقاد كتابه عن « عمرو بن العاص » ( 1944) ، ثم كتابه « الحسين أبو الشهداء » (1945) ، ثم أخرج بذات العام كتاب « بلال داعية السماء » ودرته : « عبقرية خالد » .

     وظنى بعد أن ختمت المجلد الأول عن مدينة العقاد ، بالحديث عن كتابه الرائع « الله » ، ويدور حول البحث فى نشأة العقيدة الإلهية ، أن ترتيب السياق يقتضى أن أعرض لكتبه عن النبوات الكبرى ، وهو وإن كان قد سبق إلى إخراج كتابه « عبقرية محمد » سنة 1942 ردًّا على تهجم بعض الجاهلين ، فيما حدثتك عنه سلفًا فى مقدمات المجلد الأول ، فإنه قد تعرض بين سنتى 1953 و 1955 إلى النبوات الكبرى : « إبراهيم خليل الرحمن » (1953) ، ثم « حياة المسيح » ( 1953) ، ثم عاد إلى السيرة المحمدية فكتب « مطلع النور » أو « طوالع البحثة المحمدية » سنة 1955 ، فيما يفرض أن نبدأ بكتابه عن أبى الأنبياء خليل الرحمن : إبراهيم عليه السلام ، لنثنى بكتابه عن السيد المسيح عليه السلام ، ولنختم بخاتم الأنبياء والمرسلين محمد عليه الصلاة والسلام ، بادئًا « بطوالع البعثة المحمدية » التى ضمها كتاب « مطلع النور » ، ثم أخيرًا كتاب « عبقرية محمد » الذى بدأ به سنة 1942 .

إبراهيم أبو الأنبياء

   البدء بخليل الرحمن توجبه اعتبارات متعددة , فإليه ينتمى أنبياء الرسالات الثلاثة الكبرى : موسى , وعيسى , ومحمد , والحنيفية الإبراهيمية , ويتلو المسلمون اسمه وآله فى كل صلاة .

     نعم , لم يكن التوحيد مجهولاً قبل عصر إبراهيم , فقد آمن المصريون القدماء بالإله الواحد , ولكنها لم تكن دعوة نبوة ورسالة , وعندما جهر « اخناتون » بدعوة التوحيد والمساواة ـ صدرت دعوته من قصر الدولة .

   أما الإله الواحد الذى اقترن بدعوة إبراهيم فصادر عن دعوة سماوية , ولم تكن لنبوة واحدة أن تؤدى رسالة التوحيد وتنهض بكل عناصرها وموجباتها فى عمر رجل أو عمر جيل , ولذلك كانت بعد نبوة إبراهيم نبوات , وعن نبوة إبراهيم الخليل عليه السلام , تحدثت المراجع الإسرائيلية , والمراجع المسيحية , والمراجع الإسلامية , كما تحدثت عن إبراهيم مراجع الصابئة ومصادر التاريخ القديم , وإلى هذه المراجع اتجه الأستاذ العقاد فاحصًا وباحثًا ومنقبًا ودارسًا ومستخلصًا .

المراجع الإسرائيلية

     أفاض الأستاذ العقاد فى عرض ما ورد بالمراجع الإسرائيلية , وما أفاض فيه سفر التكوين , أول أسفار العهد القديم , من سيرة إبراهيم عليه السلام , مولده فى « أور » الكلدانيين , ورفع نسبه إلى سام بن نوح الذى إليه تُنسب السامية اليوم , فهو إبراهيم بن تارح ( آزر ) بن سروج بن رعو بن فالج بن عابر بن شالح بن ارفكشاد بن سام بن نوح ..

     وتوسع الأستاذ العقاد فى إيراد نصوص ما ورد بالعهد القديم عن سيرة إبراهيم الخليل وأسرته وأسفاره وانتقالاته وأوامر الرب عز وجل إليه , فأورد ما جاء عن هذه السيرة فى الإصحاحات الحادى عشر والثانى عشر والسادس عشر والسابع عشر والتاسع عشر والعشرين والحادى والعشرين والثالث والعشرين والرابع والعشرين والتاسع والعشرين والثانى والثلاثين من سفر التكوين , وأشار إلى ما ذكرته الإصحاحات التالية عن خبر المجاعة التى عمت الأرض .

     وأهم ما جاء بإصحاحات سفر التكوين سالفة الذكر , ويعنينا فى هذا المقام ـ أن
الوعد المحتج به اليوم عن أرض الميعاد
ـ كان لنسل أبرام ( إبراهيم ) بمن فيهم إسماعيل , وليس لنسل إسحق خاصة .

     وجاء بسفر التكوين قصة منسوبة إلى إبراهيم عليه السلام , أنه حين نزل مصر وخاف أن يؤدى جمال زوجته ( سارة ) إلى قتله واستبقائها , اتفق معها على إبداء أنها أخته , إلاَّ أن فرعون الذى كان قد صنع خيرًا لإبراهيم بسببها حتى صار له بقر وغنم وحمير وعبيد وإماء وأُتْن ( جمع أتان ـ أنثى الحمار ) وجمال ـ اكتشف الحقيقة فأطلق زوجة إبراهيم ولامه لماذا ذكر أنها أخته .( التكوين 12 : 14 ـ 19 ) .

     ثم عاد العهد القديم , فنسب إلى إبراهيم عليه السلام ذات الصنيع فى واقعة أخرى , فجاء بالإصحاح العشرين من سفر التكوين أن إبراهيم « انتقل إلى أرض الجنوب وسكن بين قادش وشور وتغّرب فى جرار ( بلدة بين مصر وفلسطين ) وقال إبراهيم عن سارة امرأته هى أختى , فأرسل ( أبيمالك ) ملك جرار وأخذ سارة . فجاء الله إلى ( أبيمالك ) فى حلم الليل وقال له : ها أنت ميت من أجل المرأة التى أخذتها , فإنها متزوجة ببعل , ولم يكن ( أبيمالك ) قد اقترب إليها » .

   ومضى الإصحاح العشرون ليقول إن ( أبيمالك ) اعتذر بأنه تصرف بحسن نية لأنه قيل له إنها أخته لا زوجته وهى نفسها قالت ذلك , ثم إن ( أبيمالك ) راضى إبراهيم بأن أعطاه غنمًا وبقرًا وعبيدًا وإماءً , ورد إليه سارة إمرأته .

   وجاء بالإصحاح الحادى عشر من سفر التكوين , أن ساراى ( سارة فيما بعد ) زوجة أبرام ( إبراهيم ) كانت عاقرًا , وأن « تارح » أخذ ابنه أبرام ولوط ابن شقيقه هاران وساراى إلى أرض كنعان وأقاموا هناك حيث مات « تارح » فى حاران عن مائتين وخمس سنين . ( التكوين 11 : 26 ـ 32 )

     وجاء بالإصحاح السادس عشر من سفر التكوين , أن « ساراى » ( سارة فيما بعد ) إمرأة أبرام لم تلد , فدفعت جاريتها المصرية « هاجر » إلى أبرام وقالت له : « هو ذا الرب قد أمسكنى عن الولادة .. فادخل إلى جاريتى لعلى أرزق منها بنين . فسمع أبرام لقول ساراى » . ( التكوين 16 : 1 ـ 6 ) , وروى الإصحاح أن هاجر حينما حملت صغرت مولاتها فى عينيها , فغضبت « ساراى » وتحدثت بغضبها إلى زوجها الذى راضاها , ولكن « ساراى » أذلت « هاجر » فهربت من وجهها , إلى آخر ما ورد بالإصحاح المذكور .

     ويفهم من هذه القصة التى تكررت فى موضع آخر , أن مولد إسماعيل ابن « هاجر » كان أسبق من مولد إسحق ابن « ساراى » التى صارت « سارة » والتى ولدته فيما بعد فى قصة رددها سفر التكوين , وأورد أنها ولدت إسحق وهى فى التسعين وزوجها ابن مائة سنة , وأن إبراهيم عليه السلام وُعِد بأن ابنه « إسماعيل » سيباركه ربه وستكون له أمة كبيرة وكثرة كثيرة جدًّا , فقام إبراهيم حين تلقى الوعد بِخَتْن إسماعيل وكان آنذاك ابن ثلاث عشرة سنة .

   ثم جاء فى الإصحاح الحادى والعشرين أن « سارة » ولدت إسحق , وختنه إبراهيم وهو ابن ثمانية أيام , وكان إبراهيم قد أوفى على المائة .

 ( يتبع )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *