فى مدينة العـقاد ـــ لا شيوعية ولا استعمار ـــ (148)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

ضرائب الهجرة وضرباتها

     كانت سياسة الباب المفتوح ـ اضطرارًا من المستعمرين لكف مطالب الدول المغلوبة الُمْسَتْعَمَرة ، ولكن هذا الباب الذى فتحه الاستعمار أصابه بأكثر من سهم ، وجاءت بعض هذه السهام من شركاء الاستعمار المتفرقين من شتى الدول والحكومات ، ومن أيدى أبنائها وروادها المهاجرين بحثا عن الذهب أو عن الأرض التى يطيب فيها المقام .

     ويذكر الأستاذ العقاد أن أشد هذه الضربات على الاستعمار ، جاءت من المستعمرات البريطانية والإسبانية فى العالم الجديد ، وكان من المفارقات أن الثورة التى قضت على الاستعمار البريطانى فى أمريكا الشمالية ، كان قوامها أناسًا من الإنجليز يعاونهم مواطنون لهم من الهولنديين والجرمان وغيرهم . وكذلك كانت ثورات الجنوب التى انتهت باستقلال الحكومات المختلفة فى القارة الأمريكية الجنوبية ، فقد كان قوامها من المهاجرين الإسبان والبرتغاليين وأبنائهم المولدين .

     ووجيز أسباب ذلك أنه مع نشأة حركة التجارة العالمية بعد عصر الرحلات الكشفية ، نشأت على آثارها حركة الصناعة الكبرى ، فاتسعت دائرة الحكومة ودخل فى زمرة الحاكمين أناس من المحكومين ، وتكاثر مع الزمن عدد المشتركين فى الحكم فأصيب الاستعمار من مقتله القديم ، وهو جانب الاحتكار .

     فحين أصبحت زيادة حصة العمال اقتطاعًا أو انتقاصًا من حصة أصحاب المعامل والأعمال ، تم اللجوء إلى ضرائب الهجرة التى ارتدت إلى ضربات على الاستعمار .

أسباب دينية

     ويرى الأستاذ العقاد أن هناك أسبابًا يصح أن تسمى بالأسباب الدينية ، كانت من العقبات التى واجهت الاستعمار فى خطواته الأولى ، ثم كان لها بعض الأثر فى تعويق سيره أو إضعاف قبضته على ضحاياه . وتتلخص هذه الأسباب فى ارتباط سياسة أوروبا الغربية بسياسة الكنيسة فى عصر من أحرج عصورها .

     وقد كانت إسبانيا والبرتغال من الدول التى ارتبطت سياستها بالكنيسة كل الارتباط ، وتليهما فرنسا فى أحوال كثيرة ، وكانت الصبغة الدينية غالبة على سياسة الحكومات فى أوروبا الغربية وفى شبه جزيرة الأندلس بخاصة . وحدث فى الأقطار الأمريكية التى ارتادها الفرنسيون أن القساوسة كانوا يحرمون على مخالفى الكنيسة دخول تلك الأقطار ويخرجونهم منها إذا دخلوها . ومهما يكن من صواب المؤرخين ، فإن العقاد يسجل أن إسبانيا والبرتغال وتليهما فرنسا ـ كانت أقل الدول نجاحًا فى تجارب الاستعمار .

النهضات الوطنية

     والمصاب الأخير الذى ابتلى به الاستعمار ، إنما جاءه فيما يرى العقاد ـ من فرائسه وضحاياه ، حيث توالت المقاومات كراهةً للحكم الأجنبى ، واعتراضًا على جوره ومظالمه ، وما لبثت هذه المقاومات أن تبلورت فى نهضات وطنية هنا وهناك ، حاول المستعمرون مراوغتها أثناء وبعد الحرب العالمية الأولى ، بينما كان الضحايا يتيقظون ويتقدمون ويكتسبون دراية التعلم إلى دراية الخبرة من مراس الحوادث ، وأنفع ما تعلموه فى تلك الآونة ـ مبلغ قدرتهم على المقاومة والمطالبة .

     وأتبع تقدم الضحايا فى المعرفة ـ تقدم فى العمل والصناعة ، فنشات فى الأمم المحكومة أعمال ناجحة يتولاها أبناؤها ويديرها خبراؤها وصناعها . فما هو إلاَّ أن امتلأت أمم الأوطان المستعمرة بقوتها الوطنية حتى تسنى لها أن تصمد فى المقاومة وتأمن عدم القضاء عليها وإفنائها .

     ولا مراء فى أن هذه النهضات الوطنية كانت من أهم العوامل التى ضعضعت قوى الاستعمار ، وهى وإن لم تكن العامل الوحيد فى القضاء عليه ، فإنها كانت العامل الوحيد الذى لا غنى عنه لتعزز باقى العوامل فى كتابة نهاية الاستعمار .

     وجدير بالذكر ، ما أورده العقاد من أن هذه النهضات الوطنية لقيت من الظروف العالمية أقوى التشجيع والعون ، وساعد على ذلك اشتباك العلاقات العالمية التى كانت أول أسباب النزاع بين المستعمرين الأقوياء أنفسهم ، وكان هذا الاشتباك أول مسالك « الباب المفتوح » وهيأ أشد الضربات التى أصابت الاحتكار ومن ثم الاستعمار .

النموذج الجديد

     يختم الأستاذ العقاد بأن الولايات المتحدة الأمريكية هى النموذج الجديد للدولة العالمية منذ الربع الثانى للقرن العشرين . وهى أقوى دول الأرض وأغناها وأكثرها اشتباكًا بالمصالح والعلاقات فى أنحاء العالمين القديم والحديث .

     وهذا النموذج الجديد يأتى بدور سياسى مفروض على الدولة التى تمثله وعلى الدول التى تناصرها أو تعارضها . والولايات المتحدة عرفت أدوار الاستعمار جميعا وإن صحبت بعضها من منتصف الطريق لا من أوله . وقد شغلها الخلاص من « الاستعمار الأوروبى » فى تاريخها الأول عن الدخول فى ميدان الاستعمار والمغامرة مع المستعمرين .

 *           *             *

     من لغو الفضول فيما يرى العقاد ـ إضاعة الوقت فى إثبات غرض كل دولة تعمل فى سياسة العالم باسم المصالح العالمية أو المصالح الإنسانية أو المصالح القومية . فأغراض الدول حقيقة مفروغ منها ولا تحتاج إلى إضاعة الوقت فى الجدل بين إثباتها وإنكارها .

     ويشاء حظ العالم أن تكون وسائل النفوذ العالمى مقرونة بوسائل المقاومة العالمية .

وبعد 

     مرت بنا صورتان فيهما ملامح واضحة ، لكل من الاستعمار والشيوعية .

     الاستعمار حركة من حركات التاريخ الدولى بلغت نهايتها وفقدت حجة وجودها ، فهى لا تستند إلى مبدأ ولا تدعيه ، وصارت اليوم بغير قوام من واقع تستند إليه ، فى الوقت الذى تراجعت فيه أمام واقع أعظم وأجدر بالثبات .

     أما الشيوعية فهى استعمار وشىء آخر غير الاستعمار .

     ومصير الشيوعية المُسْتعِمرة كمصير الحركة ذاتها ، فإذا كان الاستعمار قد فقد حجة وجوده ، فإن الشيوعية قد حبطت حجتها فى الحاضر ، وفاتها أن ترجو نجاحًا فى المستقبل .

     والخطر من الشيوعية فيما يقول العقاد ـ أنها تُفْقد ضحاياها القدرة على المقاومة لأنها لا تبغى لهم الكرامة القومية أو الكرامة الوطنية .

     وخلاصة الرسالة التى يريد الأستاذ العقاد توجيهها فى هذا الكتاب ، أنه إزاء ما تعرفنا عليه من مساوئ الشيوعية والاستعمار ، فإنه لا محل ولا موضع لأى منهما فى بلادنا .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *