فى مدينة العـقاد ـــ لا شيوعية ولا استعمار ـــ (147) نهاية الاستعمار

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

   يرى الأستاذ العقاد وقتما أصدر كتابه هذا عام 1957 , أن الاستعمار آخذ فى الزوال , لأنه مرحلة من مراحل التاريخ التى لا توجد للدوام , ولابد لها من نهاية عند زوال أسبابها ووصولها إلى غاية مرادها .

   كانت مرحلة الاستعمار بدعة بين المراحل التاريخية بكثرة ما فيها من مزالق ومفاجآت .

   ومن المعروف أن مرحلة الاستعمار الحديث بدأت فى وقت واحد مع عصر الاستكشاف , ومن الأسباب العرضية التى دفعت ببعض الأمم إلى ميدان الاستعمار ـ أن هذه الأمم كانت فى موقع جغرافى يسوقها إلى هذا الميدان , يتجلى ذلك فى حالة البرتغال وهولندا وبلجيكا التى صارت هى الأخرى من دول الاستعمار , لأنها على المحيط الأطلنطى , وهو الطريق الوحيد المفتوح للبحث والتجربة بعد امتناع التجارة فى بحر الروم أو البحر الأبيض المتوسط .

نقص الموارد المنتظرة

   جاءت مشكلة الدول الصناعية الكبرى , من اجتماع الصناعة والتجارة فى يد واحدة , حيث لابد لها من موارد تحتكرها للحصول على الخامات , ولابد لها من أسواق تحتكرها لتصريف مصنوعاتها بغير مزاحمة , ولابد لها مع هذا وذاك من حراسة الطريق ومن حراسة الموارد المحتكرة بجلب الخامات والموارد المحتكرة لتصريف المصنوعات .

   والبرتغال مثال على ذلك , فكانت فى طليعة السباق العالمى إلى الاستعمار , على أنها لم تنفرد بذلك , وكانت بين دول كثيرة خرجت معها أو لحقت بها فى هذا السباق . ولكنها لم تلبث جميعها أن علمت أن الغرض الأول التى خرجت للبحث عنه لن يغنيها زمنًا طويلاً ولا يكفل لها تكريس استمرار النجاح بعد اكتشاف الطرق المجهولة التى خطر لها فى بادئ الأمر أن العثور عليها هو القبلة المقصودة وخاتمة المطاف .

     كان الغرض الأكبر اكتشاف الطريق إلى الهند من الغرب أو من حول القارة الأفريقية , فلما تحقق هذا الغرض ووجدت الموانى الصالحة للتبادل التجارى المنشود , ظهر أولاً أن بضائع أوروبا غير مرغوب فيها بين الشرقيين , ثم ظهر أن التنافس بين الرحالين المستكشفين يوشك أن يرتفع بأثمان السلع الشرقية ارتفاعًا لا يقل عن ارتفاعها بسبب الحجر عليها فى طريق البحر الأبيض المتوسط وما إليه .

     ولما تقدمت معامل الصناعة الكبرى فى أوروبا ـ ظهرت مشكلة جديدة لم تكن فى الحسبان , وهى مشكلة الحصول على الخامات وتصريف البضائع المصنوعة فى أسواق محمية من مساومات المنافسين .

   واختل الحساب فى كل مستعمرة من المستعمرات بلا استثناء من هذه الناحية , وهى الجمع بين طلب الخامات وتصريف المصنوعات , وكثيرًا ما وُجِدَتْ المصنوعات دون أن تُوَجد الأسواق , وكثيرًا أيضًا ما اصطدمت المطامع والسياسات !

الاحتكار

     كان الاحتكار منذ البداية ضرورة لا محيد عنها لكل المستعمرين , ولكنه كان فى الوقت ذاته جرثومة الداء التى كمنت فى أحشاء الاستعمار حتى قضت عليه .

     كانت حركة الكشف عن طريق التجارة المجهول ـ أشبه بمحاولة التاجر أن يكتشف سر الصناعة المجهولة ليحتكرها ويذود المتنافسين عنها , فكانت كل سفينة تصل إلى بقعة تبادر برفع العلم عليها وتسجلها باسم الدولة وباسم الكنيسة , واستطاعت البرتغال وإسبانيا أن تتفقا فى مبدأ الأمر على الاحتكار لأنهما سلكتا طريقين فى الاستكشاف لا تنازع بينهما , حيث طافت البرتغال حول أفريقيا , واتجهت أسبانيا للطواف حول الكرة الأرضية , وحرصت الكنيسة البابوية التى يتبعانها على التوفيق بينهما .

     ولما دخل المضمار إنجلترا وهولندا وهما لا تدينان بالطاعة للكنيسة البابوية , سلكت كل منهما فى الاحتكار المسلك الذى يوافقها , وأصدرت إنجلترا ثلاثة قوانين اشتهرت باسم قانون الملاحة (سنة 1660) , وباسم قانون التصدير (سنة 1666) , وباسم قانون الزراعة (سنة 1673) , وفرضت انجلترا بهذه القوانين ما تشاء لضمان الاحتكار .

     وسلك الهولنديون مسلك الإنجليز فى احتكار التجارة والزراعة لأنفسهم فى مستعمراتهم , بالقوانين وبالإجراءات الإدارية والقضائية .

   وتشبث المستعمرون بالاحتكار فى كل بقعة فرضوا سيطرتهم عليها , حتى ليقال إن الاستعمار والاحتكار صنوان لا يفترقان , وجعلت قوة الاستعمار تقاس بقوة الاحتكار , فإذا انقضى الاحتكار فى مكان انقضى فيه الاستعمار على أثره .

الباب المفتوح

     وتحت ضغط الأزمات والقلاقل والحروب , أو كبديل لها , اضطرت الدول المستعمرة إلى قبول سياسة الباب المفتوح والمساومة بذلك على مناطق النفوذ .

   واتفقت فرنسا وانجلترا سنة 1898 على نظام سموه « عدم التمييز » .. فى نيجيريا وداهومى وساحل الذهب وساحل العاج , وأعلنت بلجيكا نظام « الفرص المتساوية » فى مستعمرة الكونغو لتجمع من المكوس الجمركية بعض نفقات الولاية ودفع حملات التشهير بالاستعمار البلجيكى . وتعددت فى الشرق الأقصى المعاهدات القائمة على نظام الباب المفتوح , واشتركت فيها انجلترا وفرنسا وألمانيا وروسيا والولايات المتحدة وغيرها ! وصار ذلك مألوفًا فى نصوص ما تعقده الصين من معاهدات , ثم جعل ميثاق عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى ـ جعل نظام الباب المفتوح ركنًا أساسيًا من أركان السياسة العالمية ومبدأً من المبادئ المقررة لحفظ السلام , وبدأ يتقرر أن حرية الشعوب من جميع الأجناس ـ من أصول الحقوق الإنسانية مرهون بموعده القريب .

     وإذ ليس من عمل المؤرخ بحث نصيب المبادئ من إخلاص الدول التى تعلنها أو سوء نيتها , فإن تقرير المبدأ فى المعاملات الفردية والدولية كان خطوة لا يستهان بها من الوجهة العملية .

   ويدل إثبات المبدأ فى ميثاق عصبة الأمم , فيما يقول العقاد , على أن العالم خرج من الحرب باتفاق على خطر الاحتكار على السلام .

( يتبع )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *