فى مدينة العـقاد ـــ لا شيوعية ولا استعمار ـــ (146)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

أنواع المستعمرات

     جرى المستعمرون تبعًا لمعاملة البلاد المقلوبة ، على تقسيم المستعمرات إلى أنواع ، ولم تجر هذه المعاملة على مستوى واحد منذ فجر الاستعمار حتى الآن ، فكانت حقوق الملوك المستعمرين فى القرون الوسطى تُبْحَث بالنسبة إلى حقوق الله ، ولأن الرعايا الأوروبيين هم الذين نقموا من ملوكهم إطلاق سلطانهم وطغيان جبروتهم على النبلاء والعامة ، جعل الفقهاء يبحثون لهؤلاء الملوك عما يسرى على رعاياهم من غير الأوروبيين ، وهل يجوز لهم أن يعاملوهم على غير معاملة « الراعى الصالح » لرعيته الصالحة من الأوروبيين .

     ولم يعد يعنينا الآن أن نتابع التطور التاريخى الذى استعرضه الأستاذ العقاد ، وحسبنا أن نستقطر ما آلت إليه أخيرا أحوال الاستعمار فى البلاد المغلوبة .

     كانت بلاد « الرجل الأبيض » تظفر على الدوام بالقسط الأوفى من توسيع الحقوق وتوفير معالم الاستقلال ، وأصبح من حق « الدمينيون » ( دول الكومنولث المعتبرة مستقلة ) ـ أصبح من حقها بعد الحرب العالمية الأولى أن توفد السفراء عنها إلى الدول الأجنبية ، وأن تعلن باختيارها الحيدة فى الحرب أو الاشتراك فيها ، وتوقف ازدياد نصيب المستعمرات الأخرى على نسبة الزيادة فى حقوق « الدومينيون » الخارجية والداخلية ، ويمكن القول بأن الحرب العالمية الأولى كانت حدًّا فاصلاً بين عهدين واضحين من تاريخ الاستعمار ، لأنها أزالت الاستعمار من حيث « المبدأ » وأبقت ما بقى منه على أساس جديد أو تخريج جديد يسند سلطة الاستعمار إلى « الوكالة » عن الأمم الإنسانية !

     وكذلك قام ميثاق الأمم بعد الحرب العالمية الأولى على بطلان الاستعمار ( من حيث المبدأ ) واحترام حق تقرير المصير ، واستحدثت للنظام الجديد مسميات تناسبه بدل الأسماء القديمة ، فحل الانتداب والوصاية محل الحماية ، وتركت المسميات السابقة بأسمائها إلى أن يتم التفاهم على تعديل أوضاعها .

     واتضحت الحدود على هذا النمط بين أنواع المستعمرات ، فالانتداب للأمم التى تملك السيادة ناقصة إلى أن تمتلك السيادة الكاملة ، والوصاية للأمم التى تملك السيادة موقوفة على ما سوف تبلغه لقصورها عن الحكم الذاتى واتقاء الخطر من اضطراب فيها .

     وتكفلت عصبة الأمم بالاستماع إلى الشكايات وتحقيق ما يحتاج إلى تحقيق ، وذلك من حيث المبدأ والعقيدة . وشتان بينهما وما يجرى فى الواقع ويعهده الناس بين الحاكمين من الأقوياء والمحكومين من الضعفاء .

     بقيت المستعمرات وبقى الاستغلال وبقيت المظالم واستبيحت الأوطان عنوة ، وعجزت عصبة الأمم عن حماية الأوطان المستباحة !

     فما زالت المبادئ تُخَالف الوقائع فى تكاليف بنى الإنسان من أمم وآحاد ، وتختلف تبعًا لذلك الدلالات والنتائج .

                         *           *             *

     على أن المقياس الإنسانى ظل قائمًا بدوره فى الفرز أو التمييز ، حتى صار يعاب على السياسى اليوم أنه من زمرة الاستعماريين أو المستعمرين ، وصار هذا النعت بمثابة وصمة ، ولم تعد الناس تستغرب فى عصرنا خجل الساسة من نسبتهم إلى زمرة الاستعمار .

     والتواضع الاستعمارى آية أخرى من آيات الحكم على الاستعمار بمقياس الشعور ، ولم يعد للفاتح أن يستعلى بشرف الفتح كما كان يحدث فى العصور الغابرة ، وحل التواضع محل « فخر الاستعمار » ، وصار تقسيم المستعمرات إلى أنواع نقطة الانتقال الأولى ، أما النقطة الأخرى فهى اضطرار الدول إلى النص فى ميثاقها على بطلان مبدأ الاستعمار واحترام مبدأ « تقرير المصير » .

آداب الاستعمار

     تعوّد الناس من الاستعمار قله الصدق وكثرة الكذب ، وألقوا منه نقض المواثيق وخلف المواعيد . ومن المتفق عليه وصف الاستعمار بأنه مستغل يقوم على الأثرة ، وأن آدابه من ثم كسياسته فى هذه الخلة ، فآداب الاستعمار تتحوصل فى آداب الاستغلال وسياسة الاستغلال .

     فالاستعمار مستغل فى جميع الأحوال .. يستغل الرذيلة كما يستغل الفضيلة ويستغل الجبن والخسة والحرص على المنفعة العاجلة كما يستغل المبادئ الكريمة والخلائق المحبوبة ، ويستطيع أن يستغل هذه وتلك بما يحقق له ثمرات الاستغلال الذى فيه تتحوصل آدابه .

     ولهذا أصداء باتت معروفة فى قضايا النخاسة والسموم والمخدرات ، فدور الاستعمار فيها كما كان دورة فى قضية الرق . بل إن قضية السلام من القضايا العالمية التى نرى فيها نوعًا من الاستغلال لكل نوع من أنواع الاستعمار . 

( يتبع )

      

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *