فى مدينة العـقاد ـــ لا شيوعية ولا استعمار ـــ (145)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

   أمّا ما كان من الأفكار العالمية التى أتاحت نشأة الاستعمار وتزايد فرصه ، فهو اكتشاف « استدارة » أو « كروية » الأرض ، وسبل الوصول الأيسر بين شرقها وغربها ، وقد وافقت هذه الاكتشافات مصلحة الأوروبيين الغربيين فى البحث عن طريق للتجارة مع الشرق غير طريق البحر الأحمر وما جاوره من بلاد العرب والترك العثمانيين ، وتوالى حث « كولمبس » برحلاته لإقناع أصحاب المصالح بمصلحتهم فى استثمار هذا الكشف ، ولولا اقتناعه « باستدارة » الأرض لطلب الكشف عن طريق آخر كما طلبه البرتغاليون عن طريق الطواف حول القارة الأفريقية .

     ولا مراء فى أن العوامل الاقتصادية كانت فى مقدمة أسباب نشأة الاستعمار ، فقد كان قوامه تجارة الشرق ، ومع ذلك من المبالغة أن تعزى لهذه التجارة كل أسباب الاستعمار الذى كان يسعى لأغراض أوسع من التجارة فى الأنسجة والطيوب والتوابل والمواد اللازمة لحفظ اللحوم فى البلاد الباردة .

     ويلاحظ الأستاذ العقاد أنه برغم تفشى سوء المعيشة فى أرجاء متفرقة من القارة الأوروبية يوم توجهت الكشوف الأولى للبحث عن طرق التجارة الشرقية ، وأن سوء المعيشة كان أكثر تفشيًا فى أرجاء أوروبا الشرقية والوسطى ، إلاَّ أن ذلك لم يدفع هؤلاء إلى الاتجاه نحو المشرق القريب منهم ، بل دفعهم على نقيض ذلك نحو المغرب كما فعل قياصرة الروس وملوك الدولة النمساوية .

     ثم إنه حين اختل النظام فى الأقطار الأوروبية الواسعة بعد تمزيق شملها وتفتيت مواردها بين صغار الأمراء وولاة الإقطاع ، تجمع تفشى الحالة المعيشية السيئة ، واضطربت أحوال الملايين فى شرق القارة وغربها ، واستفزّها ذلك إلى الثورة التى وصلت أسبابها إلى ألمانيا التى تصايحت بشعارها المشهور « من برلين إلى بغداد » .

    وينبه الأستاذ العقاد إلى أن عوامل الاستعمار ـ المادية والنفسية ، كانت تتناقض فيما بينها ولا تطرد على نهج واحد فى جميع الحوادث والأوقات ، ولا فى جميع الشعوب الغالبة والشعوب المغلوبة ، فبعد عدة قرون واتساع الاستعمار فى عدة أقطار ـ طرأت مفاجآت من آونة لأخرى لم تكن فى حساب المستعمرين من الوهلة الأولى ، مما لا مناص إزاءه من مطاوعة الضرورات ، فرأينا البنادقة والمماليك يتحالفون على البرتغاليين ، والبرتغاليين والمسلمين يتحالفون على المغول ، وأن ينشأ بين الهولنديين والعرب حلف ، وبين الهولنديين والأسبان عداء .

     وفى تاريخ الاستعمار الشرقى أعمال متفرقة تحسب من النتائج المبكرة لتلك العوامل المادية والنفسية ، ولكن أكثرها ارتباطًا بكل هذه العوامل ـ استيلاء البرتغال على ميناء
«
سبتة » سنة 1415 ، لأنه كان فاتحة المعرفة بالطريق وفاتحة الأعمال « المنفذة » فى وقت واحد .

     ويشير الأستاذ العقاد مرة أخرى إلى الأستاذ « بارى Parry » ، الذى تناول مقدمات هذا الحادث فى كتابه عن « أوروبا والدنيا الواسعة » وهو فيما يرى العقاد أوجز المؤلفات وأدقها فى هذا الموضوع ، والذى أومأ فيه إلى أن الاستيلاء على ميناء « سبتة » وضع البرتغاليين فى موضع هيأ لهم معرفةً وافية بالقارة الأفريقية لم تكن مهيأة لغيرهم من الأوروبيين ، وهو ما استطرد العقاد فى بيان نتائجه نقلاً عما أورده الأستاذ « بارى » ، ومنها ما نجم عن انتشار تجارة « الأبازير » ( الطيوب والتوابل ) فى القرن الخامس عشر من اتصال وثيق بانتشار الإسلام غربًا وشرقًا ، ثم ما كان من ابتداء الغزوات البرتغالية فى القرن السادس عشر بعد إشارة مجملة إلى رحلات المبشرين فى الشرق الأقصى .

سباق الاستعمار

     وبعد تقييم لهذه الأسباب والاعتبارات والأطوار ، انتقل الأستاذ العقاد إلى سباق الاستعمار ، فأورد أنه من السهل أن نتخيل صدى الخبر الذى شاع فى أوروبا عن عودة الأسطول البرتغالى محمّلاً بالبضائع الشرقية بعد طوافه حول أفريقيا واهتدائه إلى طريق الهند التى طال البحث عنها .

   وقد أوشك هذا الاكتشاف أن يطلق سباقًا طائشًا بين البيوت التجارية إلى الهند الموعودة بلا ضابط ولا رابط ، والذى آب بهذا السباق الطائش إلى بعض الرويّة لم يكن راجعًا إلى حكمة ، وإنما إلى شواغل الفتن الداخلية والحروب العامة والمنازعات على كشوف الأمريكتين ، والتى أجلت هذا السباق ولكن إلى حين .

     وكانت البرتغال وإسبانيا ، هما الدولتان الرائدتان فى هذه الكشوف وفى هذا السباق ، وكلاهما فى كنف الرعوية البابوية ، تأتمران بأمرها وتستمدان النفوذ منها ، فاجتهد الفاتيكان فى التوفيق بينهما ، ثم انتهى السباق بين الدولتين إلى توحيد العرشين ، فانزوت البرتغال وآلت السياسة الاستعمارية كلها إلى العاصمة الإسبانية .

     ثم دارت الدائرة على إسبانيا بعد هزيمتها البحرية فى معركة « الأرمادا » المشهورة ، فكانت هذه الهزيمة فيما يرى العقاد ـ إحدى المراحل الحاسمة فى تاريخ الاستعمار ، بل فى تاريخ العصر الحديث ، وبرزت فى هذا المجال ثلاث دول أوروبية لم يكن لها شأن آنذاك فى هذا المضمار ، فاستقلت هولندا من سيطرة إسبانيا ونازعتها السلطان فى التجارة وفى التبشير ، وظهرت فرنسا فى موضع الزعامة بين الدول الأوروبية بدل إسبانيا ، وانفردت الجزر البريطانية بالسيادة على البحار بعد هزيمة الإسبان .

     ومن طرائف تصاريف الحوادث ومناقضاتها ، أن دعاة الاستعمار بين الإنجليز كانوا يأتمون بكتابٍ ألفه الهولندى « لنشوتين ـ linschoten » ( 1596 ) .

     وتعتبر هولندا على صغرها ، شيخة المستعمرين فى وسائل الاستعمار وتمهيداته من قبيل التبشير والاستشراق واستخدام المعاهدات والتحالفات لكسب الحقوق الشرعية .

     وكانت هولندا هى التى استنت انتزاع العمل فى الاستعمار من أيدى الشركات إلى عهدة الدول ، وألجأ الدول إلى ذلك احتياجها إلى القوة لإكراه أبناء البلاد الشرقية على قبول
المراد . كذا فقد اضطرتها طبيعة الاحتكار التى لا تفارق الاستعمار
ـ اضطرتها من ناحية أخرى إلى كف الشركات عن التنافس الذى يرفع أثمان الشراء ويضر بأغراض الاستعمار !

     ويرى الأستاذ العقاد أنه سرعان ما سعت باقى دول القارة الأوروبية إلى اللحاق بالدول الثلاث ، فيما عدا الدول التى شغلتها مسألة الوحدة الداخلية وهى فى طور التكوين .

     وظلت غايات هذا السباق تكثر وتتسع حتى استنفدت الشرق كله من أقصاه إلى أوسطه إلى أدناه ، وكاد التزاحم على الشرقين الأوسط والأدنى أن يغطى على الزحام الأصيل على الهند والصين وجزر الملايو . ولذلك أسباب ، جعل الأستاذ العقاد يستقصيها .

                           *           *           *

     ويبدو من مراجعة الظروف المتشابكة ، فيما يبدى العقاد ، أن بلاد الشرقين الأوسط والأدنى كانت أوفر مواقع الأرض حظًّا من المطامع المغرية بالاستعمار وذرائعه .

     ومع أن دول الشرقين الأوسط والأدنى أحق الدول المُستَعْمَرة بحق تقرير المصير ، إلاَّ أنها آخر الدول التى سمحت لها العلاقات الدولية أو أقر لها المستعمرون بهذا الحق !

     ثم كانت حيلة الدولة الإسرائيلية ، أخطر الحيل التى لجأ إليها الاستعمار ، وأبعد الأشواط التى قطعها فى سباقة فى الشرقين الأوسط والأدنى ، وفى مصادرته على حقوق الأمة العربية بوجه خاص . 

( يتبع )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *