فى مدينة العـقاد ـــ لا شيوعية ولا استعمار ـــ (144)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

   يشير الأستاذ العقاد إلى تحليل الأستاذ « بارى Parry » فى كتابه عن أوروبا والدنيا الواسعة بين 1415 و 1715 ، بأن خطة البرتغاليين نحو الشرق لم تكن مجرد تزاحم على التجارة ، وإنما كان الموقف بين البرتغاليين والعرب من البداية موقف قتال عنيف ملأته العصبية بالمرارة . وآلت الأمور فى أوروبا إلى أن صارت « رسالة الرجل الأبيض » هى عنوان الاستعمار الحديث وسيماه الظاهرة .

أسباب الاستعمار

   لا ترجع أى حركة كبيرة مشتركة فى تواريخ الأمم إلى سبب واحد ، بل لا بد أن ترجع إلى أسباب كثيرة ، والاستعمار من هذه الحركات المشتركة بين الأمم الشرقية والغربية ، وقد قيل كثيرًا إن أسباب الاستعمار إغلاق الطريق على تجارة الهند والبلاد الشرقية ، ولكن هذه التجارة كانت متصلة عن غير طريق البحر الأبيض ، ولم تنشأ من إغلاقها حركة ترمى إلى السيطرة على تلك الطرق المغلقة .

     وكانت فى روسيا طريق للتجارة الشرقية تسلكها الشركات الهولندية والبريطانية وشركات الموانئ على بحر الشمال ، ثم أغلقت الدولة الروسية هذا الطريق على الشركات الهولندية والبريطانية بعد استيلاء روسيا على الشواطئ الآسيوية ، ولم تحدث من جرّاء ذلك حركة من قبيل حركة الاستعمار .

     وقيل كثيرًا إن حركة الاستعمار نشأت من زحام السكان فى القارة الأوروبية ونزوعهم إلى الهجرة والتعمير فى البلاد النائية .

   بيـد أن هذا التعليل لا يصـدق على بلدٍ واحـد من البلاد الشرقيـة التى اتجـه إليها المستعمرون .

     وقيل كثيرًا إن كشف الطريق إلى الشرق كان السبب الأول للاستعمار ، وذلك يدعو إلى التساؤل : وما سبب الكشف عن ذلك الطريق ؟

     وهل كان من المستطاع أن يتم الاستعمار لو لم تصاحبه بواعث الحروب الأندلسية ونزاع المذاهب الدينية وبحوث الجغرافيا والفلك وتَقدم الملاحة فى الغرب مع تَقدم الصناعة والتسليح ؟

     وهل كان ذلك يكفى لنشأة الاستعمار لو لم يكن حكم الرجل الأبيض للرجل الأبيض فى أوروبا قد وصل إلى نقطة التحول التى لا بد بعدها من التغيير ..

*         *         *

   ربما اكتملت لأحد الأقوام بواعث وأسباب للاستعمار ، ولكنهم لا يتحركون لاستعمار قط آخر قبل أن يتم لهم كيان دولى أو شخصية سياسية ، وهكذا كانت حال إيطاليا فى عهد الاستعمار قبل استقلالها وبعد اتحاد أجزائها فى دولة مستقلة ، ولم يكن فى وسع إيطاليا غير المستقلة أن تدخل حومة الاستعمار كما دخلها الأسبان والبرتغاليون .. فلا بد من السيادة القومية أولاً قبل التفكير فى بسط السيادة على غيرها .

     ومع ذلك فالملاحظ أنه لم تكن لإيطاليا أسباب للاستعمار من قبيل استثمار رؤوس الأموال فى الخارج أو تصريف المصنوعات أو جلب الخامات ، وإنما كانت المسألة لديها فى لبابها مسألة « وجاهة دولية » ومناظرة مع الدول اللاتينية التى سبقتها فى هذا المضمار .

     فعلى خلاف الشائع فى استثمار الأموال فى الخارج ، كانت الشركات الإيطالية فى الخارج حتى سنة 1880 تصفى رؤوس أموالها وتسلم أعمالها للحكومة لتدبر الإشراف عليها بموظفيها .

         ولعل البواعث النفسية فى الحرب الإيطالية الحبشية الأخيرة أظهر منها فى الحرب الأولى التى أعقبت أزمة سنة 1896 وانتهت بالهزيمة النكراء فى « عدوة » ، وكانت العظمة الرومانية التى حاول « موسولينى » أن يبنى عليها مجد إيطاليا الفاشية ضربًا من الخيلاء الخاوية إزاء شبح الهزيمة النكراء فى الحرب الحبشية الأولى .

   وأوجز ما يقال من تلخيص العوامل المتغلغلة فى الحياة الإنسانية ، أنها على شطرين كبيرين : العوامل النفسية ، والعوامل الاقتصادية ، ولعل أولهما أرجحهما وأقواهما ، ولهذا كانت البرتغال أسبق من انجلترا فى هذا المضمار .

*           *           *

     أما عامل الدين ، فتكفى نظرة إجمالية فى تاريخ أوروبا منذ القرن الثانى عشر إلى بداية عصر الكشوف ، لنعلم أن الشواغل الدينية كانت تغمرها فى مشرقها إلى مغربها بحيث لا يتأتى أن تصدر عنها حركة عامة دون أن تمتزج بالدين فى بعض نواحيها .. كانت أوروبا الشرقية مشغولة بمدافعة الترك العثمانيين عن حدودها ، وكانت أوروبا الوسطى مشغولة بمقدمات حرب الثلاثين وجرائرها .

     هذا وليست مسائل العنصر بأقل من مسائل الدين شأنًا فى امتزاجها ـ تدبيرًا وتنفيذًا ـ بأسباب الحركة العامة ومنها حركة الاستعمار .

     ولنا أن نتساءل ، لِمَ كان اللاتينيون جميعًا إلاَّ القليل تابعين للمذهب الكاثلويكى والكنيسة الرومانية ، ولماذا كان الجرمان والثيوثون جميعًا إلاَّ القليل تابعين لمذهب لوثر وكلفن ، ولماذا الصقالبة جميعًا إلاَّ القليل خارجين على المذهبين ، بل ولماذا بقيت الكثلكة حيث اجتمعت السيادة العنصرية وسيادة الإمبراطورية المقدسة فى الدولة النمساوية ؟

     وليس أدل على تغلغل هذا الباعث العنصرى فى علاقات شعوب الغرب ببعضها ـ من بقاء آثاره فى علاقات المستعمرين خارج القارة كما حدث فى علاقات الإنجليز والهولنديين والأسبان والفرنسيين .

     يلاحظ الأستاذ العقاد أن المستعمرين اختلفوا وتصارعوا على الأملاك والأموال فى القارة الآسيوية ، ولكن الإنجليز والهولنديين تفاهموا على المساومة التى تعذرت بين الإنجليز والفرنسيين وبين الإنجليز والأسبان .

         ولا يزال التنافس قائمًا بين العنصرين اللاتينى والجرمانى ، والتنازع بينهما على السيادة العالمية فى قلب القارة الأوروبية ، وامتد إلى القارات الأخرى ، فيما يبدو أنه
لا مندوحة من الالتفات إلى هذه النزعة العنصرية فى كل مرحلة من مراحل الاستعمار .

  ( يتبع )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *