فى مدينة العـقاد ـــ لا شيوعية ولا استعمار ـــ (143)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

الصين

     اعتبر العقاد وضع « الصين الشعبية » بعد الحرب العالمية الثانية , من أبرز معالم الطريق التى تشير إلى مصير الشيوعية .

     على حسب العناوين اللفظية , كانت الصين الشعبية ـ بتعدادها الضخم ومساحتها الشاسعة ـ فتحًا عظيمًا للشيوعية , وامتدادًا واسعًا لدعوتها ولدولتها التى دخلت أكثر من دولة , ومع ذلك رأى الأستاذ العقاد أن وضع الصين مؤشر لهدم الدعوة الشيوعية , لما بينها وبين روسيا من تنافس شديد .

   فقد قامت ثورة الصين على الاعتراف بالملكية الأرضية , وعلى توزيع الأرض بين الأسر من صغار الفلاحين , وذلك يشير إلى مستقبل لأمة تؤمن بالأسرة وتحافظ على مبدأ الملك فى أثبت أشكاله , فضلا عن أنه لا يوجد فى الصين من يعتقد أنه تتلمذ للشيوعية الروسية , فقد تقررت مبادئ الثورة الصينية قبل ثورة الروس الأخيرة بعدة سنوات , ودستورها مشروع فى برنامج « صن يات صن » منذ نشر مبادئه الثلاثة عن الديمقراطية والوطنية والاشتراكية , وورد ببرنامجه عن الاشتراكية ـ أنها تقسيم الأرض على أساس النسبية , وقال فى شروحه للاشتراكية إن المشكلات الاجتماعية تنشأ من التفاوت بين الغنى والفقير , وهو تفاوت زاد غورًا عما كان فى الأزمنة الغابرة , إذ صار الغنى يملك الأرض كلها ولا يبقى للفقير حتى القليل منها .

     وبسط « صن يات صن » نظره بالنسبة لاشتراكية الأرض , وكيف تختلف لديه عن نظام الأرض بين أمريكا وأوروبا التى كان لا يزال نظام الإقطاع قائما بها فى إنجلترا ـ وطرح كيف أن برنامجه يدعو إلى التقسيم النسبى اتقاء لشرور المستقبل , وضرب أمثلة لما يريده وما كانت عليه أحوال الأرض فى الصين قبل ذلك .

     فالثورة فى الصين دعوة لم تصدر من المذهب الشيوعى ولم تطبق وفق مبادئه , ولم يكن للمذهب الشيوعى أثر فيها غير « التسمية » , ولو لم توجد فى روسيا دعوة شيوعية لقامت دعوة « صن يات صن » على ما قامت عليه من قواعد كما شرحها مؤسسها قبل خمسين سنة وأعاد شرحها أكثر من مرة .

     ويتنبأ العقاد بأن التعاون بين الدولتين على طول الأمد سيصير أعسر من التعاون بين الدعوتين , وأن كل ما يبدو بين الدولتين آنذاك يتمشى فقط مع « تقاليد » الماضى قبل ثورة كل منهما , فلما اتفقتا على معاهدة 5 فبراير 1950 ـ كان الخطر المشترك بينهما هو ذلك الخطر « التقليدى » الذى عرفته روسيا والصين فى حروب الشرق الأقصى من عهد القياصرة وأبناء السماء .

*           *         *

     فارق آخر لاحظه الأستاذ العقاد , أن شرط الولاء للمذهب الماركسى فى الدولة الروسية والأقطار التابعة لاتحاد الجمهوريات السوفيتية , لا يعرف الصينيون له هذه القداسة , ويرونها مذاهب فلسفية « مستوردة » من الخارج , بينما حكمة الصين هى حكمة الأولين والآخرين , وأن واردات أوروبا فى العلم كوارداتها فى الصناعة ليست لها إلاَّ قيمة موقوتة لا تحسب من تراث الحكمة الخالد فى أمة توارثت أدب السلوك وهداية الحياة .    

     ويشير العقاد تأكيدًا لصدق نظره أو نبوءته , إلى أنه فى فبراير ( 1957 ) قبل قليل من صدور كتابه هذا , تكشفت فى الصين وثيقة هامة كتبها « ماوتسى تونج » إلى مجلس الحكومة الأعلى يعرض فيها خلاصة تجارب الثورة خلال سنواتها الثمان , وقال فيها إن الماركسية الآن ليست من الأزياء القومية الشائعة , وأن السياسة الصينية يجب أن تعنى بنشر المبادئ والنظريات ولكن على غير الأسلوب الخشن العتيق !

*           *         * 

يوغوسلافيا

     وأضاف العقاد أن تجربة الصين أضخم التجارب ـ لضخامة البلاد ـ فى أمم العالم , ولكنها ليست بأدل التجارب على الخلل المتأصل فى المذهب الماركسى وعوائقه العملية , وربما كانت تجربة يوغوسلافيا ـ على صغرها بالقياس للصين ـ أدل على ذلك الخلل فى المذهب الماركسى وبطلان نظرياته , وصارت هذه التجربة تسمى « التيتية » نسبة إلى
« تيتو » زعيم يوغوسلافيا . ونشأت فى أول أمرها تمردًا على استبداد الرفيق ستالين وعلى استبداد المذهب فى شئون الملكية الزراعية . وأجور العمال والموظفين , ثم ابتعدت عن المذهب الماركسى طورًا بعد طور حتى اقترنت أخيرًا بالثورة الصريحة على أصول المذهب وزعمائه المؤسسين لقواعده من ماركس إلى لينين .

     ويختم العقاد هذا التقييم بما كتبه « ملوفان دجيلاس » شرحًا للفلسفة الجديدة , من أنه لا يعتقد أن المذهب الماركسى يصلح لعمل نافع فى علاج مشكلات العصر إلاَّ أن يكون تعجيلا منظمًا لحركة التصنيع فى البلاد التى تخلفت فيها الصناعة وغلبت عليها عيوب البداوة فى أساليب الزراعة ونظم الإقطاع .

ولا استعمار

       وهذا هو الجزء الثانى من كتاب العقاد , وأداره حول مبدأ الاستعمار , وأسبابه , وسباق الاستعمار , وأنواع المستعمرات , وآداب الاستعمار , ونهاية الاستعمار , ونموذجه الجديد .. ثم ماذا بعد .

     وقد قام مبدأ الاستعمار على التنازع القديم بين الأمم , وبين الشرقيين والغربيين , لتغليب أمة على أمة , وتسخير الأضعف ليكون فى خدمة الأقوى بالأنفس والأموال .

     بيد أن هذا ليس هو الاستعمار الذى يعنيه المؤرخ الحديث منذ القرن الثامن عشر , فقد صار الاستعمار يُطلق على « حركة اجماعية » ترمى إلى غرض مشترك تحقيقًا لدعوى واحدة تدعيها أمم متعددة , لها عواملها وأسبابها التى تجمعت من حولها .

     وحركة الاستعمار إحدى هذه الحركات الإجماعية , التى يرى الأستاذ العقاد أن فهمها حق الفهم يلزمه الرجوع إلى حركة الحروب الصليبية من قبلها , والتى لعلها كانت أول حركة إجماعية قامت على دعوى واحده فى التاريخ العالمى .

     على أنه ينبغى التفرقة بين الحركات الاجماعية التى تحدث من جرّاء التحالف بين دول عدة , وبين الحركات الاجماعية التى تحدث من شيوع دعوى واحدة .

     والحروب الصليبية هى أكبر الحركات الاجماعية بين الغرب والشرق ولعلها أولها ومصدرها .

     والاستعمار هو الحركة الاجماعية التى تلتها واستعادت كثيرًا من دعاواها ودواعيها , وقد كان لابد لهذه الحركات من « دعوى » مشتركة أو من حجة عامة , لإتمام العدة للهجوم أو الدفاع .

     ومع أنه مضى على آخر الحملات الصليبية نحو خمسة قرون , إلاَّ أنه لا يمكن أن يقال إنها قد اختفت من ميادين السياسة أو الدعاية ., ولا تزال لها رجعات لا تخفيها تصريحات الساسة أو تعليقات المؤرخين .

     ويتتبع الأستاذ العقاد هذه الرجعات فى كتابات المؤرخ الهندى « سردار بانيكار »
فى كتابه « آسيا والسيطرة الغربية » , والذى فيه تتبع امتدادات الحلم الأوروبى والانفجارات الملتهبة من الحماس التى جاشت فى الحملات الصليبية الثلاث , وما نجم عن انتصار صلاح الدين الذى استرد بيت المقدس من الصليبيين وصار الإسلام من قاعدته فى مصر منظمةً قويةً حائلة بين القارتين الأوروبية والآسيوية , وإلى أن صارت البرتغال وريثة « جنوا » فى الرحلات البحرية والوريثة فى وجه الإسلام , ولم تقتصر هذه الروح الصليبية على الجزيرة الأندلسية وحسب , وإنما صارت لها امتدادات تجاوزت حدود الأندلس .  

( يتبع )

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *