فى مدينة العـقاد ـــ لا شيوعية ولا استعمار ! ـــ (141)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

   لم يكد يمضى عام على صدور كتاب « الشيوعية والإنسانية فى شريعة الإسلام » سنة 1956 , حتى أصدر الأستاذ العقاد سنة 1957 كتابه : « لا شيوعية ولا استعمار » , ونشرته دار الهلال بالعدد 80 لكتاب الهلال فى نوفمبر 1957 , وقد أعيد نشره فى بيروت بالمجلد / 13 ضمن المجموعة الكاملة لمؤلفات العقاد .

     ومن عنوانه , فإن الكتاب رسالة رفض لكل من الشيوعية والاستعمار , يفهم من الجمع بينهما أن كليهما خطر ـ مرفوض ـ على حريات الأمم والشعوب , فموقف الشرقيين يجمل فى كلمتين : « لا شيوعية ولا استعمار » .

     ومن البداية يشير الأستاذ العقاد أن الموازنة بين الخطرين ليست من أغراض هذه الرسالة , فكلاهما خطر ـ كالمرض ـ حقيق بالحذر والرفض , وتثبت الموازنة بينهما أن الشيوعية هى الأخرى استعمار يحيط بكافة عيوب الاستعمار , وهو ليس استعمارًا طارئًا , وإنما هو أساس من أسس المذهب الشيوعى , الذى يقرر لأصحابه أن السيطرة على ثروة الأمم شرط لازم للسيطرة على زمام السياسة فيها .

     الشىء الوحيد القابل ربما للموازنة , هو « جهد الكفاح » لمقاومة كل منهما .

لا شيوعية

     بهذا الجزء بدأ الأستاذ العقاد كتابه , وأجراه على ست فصول : « من الوجهة العلمية , قيصرية , واستبداد , وعنصرية , مع العالم , أكثر من دعوة وأكثر من دولة » .

   أما الشيوعية من الوجهة العلمية , فيتحدث العقاد عن أن تسمية الشيوعيين لها بالفلسفة المادية أو بالاشتراكية العلمية أو بالاشتراكية التقدمية , هى لتمييز فلسفتهم من الفلسفات التى تقوم على المبادئ الروحية , وقد فصَّل العقاد هذا الحديث ودوافعه وأغراضه ـ فيما مَرَّ بنا من كتابه الواسع عن الشيوعية والإنسانية .

     أما كون الشيوعية « قيصرية » , فإنه تعبير مجازى منسوب إلى قياصرة الروس , ويراد به فى الحكم السياسى ـ كل حكم يتغلب فيه حب التسلط وتوسيع الدولة واعتبار السيادة الحكومية سيادة شخصية ينفرد بها صاحب الأمر دون أن يتقيد بالشورى ولا بشعور المحكومين .

     ووصف « روسيا الحمراء » بأنها دولة قيصرية , إنما يجرى على سبيل المشابهة بعهد القياصرة , على نظر يتبناه العقاد أن الدولة القيصرية لم تبلغ فى عهد من عهودها المظلمة مبلغ الدولة الشيوعية فى كثرة البلاد التى تحكمها , ورهبة الجبروت فيها على محكوميها .

     ومن المقارنات التى يعقدها , يخرج العقاد بان جميع ملحقات وتوابع أو ولايات اتحاد الجمهوريات الشيوعية , لا يمكن مهما تعددت درجات الحكم الذاتى ـ أن يخرج من
نطاق الحكم الذى يفرضه الكرملين , أو تُعرف له « شخصية قومية » بمعزل عن سياسة الكرملين . وقد كشفت ثورة بولونيا وثورة المجر
ـ عن مدى الطغيان الذى تفرضه القيصرية الحديثة على أمم الملحقات المستقلة .

*         *           *

     وإذا كانت القيصرية الحديثة قد استفادت فنًّا من فنون الحكم لم تمارسه القيصريات الغابرة , فإن العقاد لا يرى أنها استفادت شيئًا فى فن إخفاء المظالم وسترها .

     كان قياصرة الروس يسترون مظالمهم بألوان من المعاذير كجشع اليهود أو مؤامرات الفوضويين أو بالغيرة على الكنيسة أو على شعائر الأماكن المقدسة .

     أما القيصرية الحديثة فكل ما تفتقته الحيلة لديها من أمثال هذه المعاذير , أن ثورة العمال فى المناجم أو ثورة الشبان الناشئين ـ إنما هى تدبير من تدابير الإقطاع أو سماسرة رأس المال فى الخارج . وهى ذريعة متهافتة , أكثر منها تهافتًا العجز عن دحض أو إنكار أسباب الثورة فى كل من المجر وبولونيا .

     ويسفر الاستقصاء لما يجرى , عن أن العلاقة بين القيصرية الشيوعية وأتباعها تتلخص فى كلمتين : الاستغلال والإكراه .. فلا يخضع شعب من الشعوب لطغيان القيصرية إلاَّ وهو عاجز عن المقاومة الحكومية أو الشعبية , ولا يخاف طغيان القيصرية فى بلد من البلدان إلاَّ بمقدار الخوف من مقاومته أو انتفاضه .. ولا حساب بتاتًَا للحرية ولا لرعاية الحقوق .

الاستبداد

     القيصرية فى حكم الرعايا الوطنيين فى الملحقات أو أعضاء الاتحاد , ليست بأهون ولا أرحم ـ فيما يرى العقاد ـ من القيصرية فى حكم الشعوب الغربية , فكلاهما قائم على الاستبداد المطلق من قيود الشريعة والأخلاق , ولا قيود فى أى منهما على الطغيان ـ إلاَّ قيود الضرورة القاهرة .

     الروسيون الذى أبادهم الحزب الشيوعى يُعَدون بالملايين , ولا يقل ضحاياه عن عشرين مليونًا ذهبوا ضحية للقتل الجزاف أو للحرمان والجوع أو النفى والتشريد فى مجاهل سيبريا ومعاقل القطب الشمالى . وقد بلغ الاستخفاف بالدماء حد الادعاء بان هذا هو السبيل الوحيد لنجاح الثورة , حتى ليقول « لينين » فى خطاب له إلى الكاتب « مكسيم جوركى » إن إبادة ثلث الجنس البشرى ليست بذات بال , فالمهم أن تنجح الشيوعية بأية حال .

     ولا يخفى أن هذه الأعذار أو التعلات ـ لا تستر طبيعة الشر والضراوة فى نفوس هؤلاء الطغاة , والتى لم يسلم منها أعضاء الحزب الشيوعى أنفسهم .

     ذكر خليفة ستالين أنه من بين المائة والتسعة والثلاثين الذين انتخبوا فى المؤتمر السابع عشر ـ ثمانية وتسعون اعتقلوا وأعدموا رميًا بالرصاص خلال عامى 1937 و 1938 على التخصيص .. ولم يكن هذا مصير أعضاء اللجنة المركزية فحسب , وإنما كان أيضًا مصير أكثر المندوبين الذين اشتركوا فى المؤتمر .

   وقد مضى ستالين فلم يسلم كبار الزعماء من استبداد القادرين على الاستبداد , ولم يُتهم أحد من هؤلاء الزعماء بتهمة أقل خطرًا من الخيانة العظمى وعداوة الشعب والمروق من مبادئ الثورة , ولا يتطلب إثبات التهمة وإيقاع العقوبة سوى إقتراع القلة فى مجلس من مجالس الحزب العليا أو فى هيئة من هيئات الصناعة التنفيذية .

     والثورة التى تصطنع هذا الاستبداد وتقترف آثامه وموبقاته لغير ضرورة ـ هى فى الواقع مؤامرة إجرام لا أمان فيها للمحكومين ولا للحكام .           ( يتبع )

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *