فى مدينة العـقاد ـــ الشيوعية والإنسانية فى شريعة الإسلام ـــ (140)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

   يوضح الأستاذ العقاد لماذا أورد خبر خدمة « ستالين » للجاسوسية القيصرية , فيعزو إيراده لكون المعلومات عنه كانت مجهولة وكشف عنها مؤخرًا , وأوردها رغم أن خبرها لا يزيد من العلم بخلائق هذا الرجل الذى قل الخلاف عليها بين أنصار الشيوعية وأعدائها .. ذلك أن خلائق الإجرام والغدر , والخبث وتسخير المذهب فى خدمة الشهوات والأهواء ـ وقائع متواترة فى تاريخه قلما تحتاج إلى إثبات , وربما يبقى من خبر الجاسوسية القيصرية ما يدل عليه عن دهائه وحيلته واتقانه « المهارب » من مواطن الخطر والمسئولية .

*             *           *

     وإذا كانت الظواهر المرضية هى التفسير الحاضر القريب لبواعث الدعوة من نفوس واضعى المذهب ومنفذيه ـ فيما يرى العقاد , فإنها هى هى الأقرب فى نظره لتفسير الإقبال على هذه الدعوة بين الطغام ـ على حد تعبيره ـ الذى لا يفقهون من مجادلاتها ومباهلاتها إلاَّ أنها تخف بهم إلى الشر فيخفون إليه بما طبعوا عليه من النقمة والحقد وكراهة الخير .

     وشخصيا لا أستطيع أن أقر الأستاذ العقاد على هذا النظر , فهناك بالتأكيد بين معتنقى الفكر الماركسى أبرياء من هذه الصفات , وإِنْ كان قد قَصَرَها فى عبارته على من أسماهم « الطغام » أى أراذل الناس و أوغادهم الذين لا يفقهون مجادلات الدعوة ومباهلاتها ( ملاعناتها أو تجاوزاتها ) , فأمثال هؤلاء لا تخلو منهم أى دعوة وليسوا حجة على انحراف الدعوة , وإن كان يبقى فى تحليله ما استدل به على أن هذا الداء كامن فى واضعى المذهب ومنفذيه الأوائل .

*             *          *

   ومحصول الدعوة , ومن يدعو إليها ومن يلبيها , أنها داء يعالج معالجة الأدواء ويُحْمى منه الأصحاء .. وقلما يقع فيه الصحيح إلاَّ وهو شبيه بمرضاه فى عرض من الأعراض . وظنى أن هذا بدوره غلو نابع عن كراهة الأستاذ العقاد لكل ما يمكن أن يمس الكرامة والحرية الإنسانية ويؤدى إلى الاستبداد .

     ولا يختم الأستاذ العقاد هذا الفصل عن محصول الدعوة , دون أن يشير إلى أنه خرج من محصول المذهب بغنيمة الصحة منه بعد أن عرف دخيلته مما ابتلى به مرضاه وأشباه مرضاه , وبأنه ليس بالفكرة التى ينفذها البرهان , ولا بالمطلب الذى يرضيه الإنجاز , وإنما هو مرضّ لا نسلم منه إلاَّ بأن نتتبع جراثيمه , ونتلافى أسباب انتقال عدواه .

     ظنى أن الأشد وقعًا على اليساريين , من رفض العقاد للشيوعية , العبارات العنيفة التى التزمها فى نقد المذهب ومعتنقيه ! وقد زرع هذا عداوة مع اليسار لم تنقض آثارها وعوادمها رغم مرور السنين !

الحاضر

     يرى العقاد أنه رغم مرور قرابة قرن كامل منذ منتصف القرن التاسع عشر , وما أتيح فيه للمذهب بعد الحرب العالمية الأولى فى التطبيق وفى الدعاية , فإن الحاضر أن الفلسفة المادية لم تصنع شيئا غير ما يصنعه كل قابض على زمام دولة من الدول الكبار على الخصوص .. لأن الاستكثار من الأسلحة والمصنوعات الضخمة سياسة تمت على أيدى النازيين فى ألمانيا والفاشيين فى إيطاليا , وهم يناقضون الشيوعية فى قواعدها ومقاصدها , ويدينون بالمبادئ التى قامت الفلسفة المادية لمحاربتها ودحضها .

   وفيما عدا التسليح والتصنيع , فإن التجربة فى الدولة الشيوعية الكبرى قد نجحت بمقدار ما تركت من المذهب , لا بمقدار ما أخذت منه !

     وكل ما فى الدولة الشيوعية بعد أربعين سنة , يدل على الإعتراف ثم المزيد من الاعتراف بالمحرمات والمحظورات التى قامت الماركسية لمحوها أو للابتعاد عنها عامًا بعد عام .

     فالزعماء الملحدون اضطروا مرغمين للاعتراف بالكنائس والشعائر الدينية فى مجتمع تسلموه منذ أربعين عامًا , وما كان هذا الاعتراف إلاَّ لشعورهم بإفلاس الضمائر التى تعول على الفلسفة المادية فى هدايتها إلى المثل العليا .

     واعترفوا بالوطنية لمثل هذا السبب فى معمعة الحرب العالمية الثانية , وهى أول حرب خاضوا غمارها بعد قيام الدولة الشيوعية , وما امتحنوا فيه وتبينوه فيها .

       ولم تنج حكاية الطبقة من تطور , تمثل فى قيام طبقة جديدة نشأت فى المجتمع الشيوعى هى طبقة الخبراء والمهندسين وعلماء الاقتصاد , مستقلة عن أصحاب رؤوس الأموال أو الأسهم فى الشركات , فى الوقت الذى لم يبطل فيه قيام الطبقة الحاكمة بعد انتهاء الاستقلال على أيدى أصحاب الأموال , وتحكمت الطبقة الجديدة فى المجتمع على نحو لم يُؤْثر قط فى بلد من بلدان أصحاب رؤوس الأموال .

     وتفاوتت مستويات المعيشة مع تفاوت الطبقات , وعُرِضَتْ وتُعْرض فى واجهات الحوانيت سلع تباع بالألوف , وظهر الساسة والرؤساء بأزياء أغلى وأفخر من أزياء نظرائهم فى بلاد الماليين .

     وبدا للعارف والجاهل أن ختام الطبقات القديمة , لم يختم وسائل الطامحين إلى الطغيان بالحيل السياسية أو التنظيمات الحزبية ..

     والخلاصة أن الحاضر بعد تجربة أربعين سنة , قد رد الشيوعية إلى قرارها فى كل طبع سليم ..

المصير

     هنا يصل العقاد إلى فصل الختام , يحكمه أمران : أحدهما أن الحرية الإنسانية تراث التاريخ كله , وليست عرضًا متقطعًا تبديه كل صفحة من صفحاته , والأمر الآخر أن التنظيم لا ينفى الحرية ما دام حكمه ساريا بين الناس على سنة المساواة , ومادام سلطان الحاكم فيه مستمدًا من إرادة الجميع منصرفًا إلى تدبير شئون الجميع ..

     وعلى ذلك فالقيود الحاضرة عوارض موقوتة وأسبابها موقوتة ومآلها إلى انحسار وزوال ..

     والتنظيم والتأميم خطتان لا مناص منهما مع اتساع العلاقات العالمية وارتباط المعاملات بين الأمم فى شئون الزراعة والاقتصاد وشئون الإصدار والإيراد .

     ويتمشى مع هذا الاتساع العالمى اتساع مثله فى الحقوق السياسية , يقضى به اشتراك جماعات من الجماهير فى حكمٍ لم يكن لها فيه نصيب . ولابد لهذه الجماهير من مفتتح فى هذا المجال .

*           *           *

     لقد طفقت الأحوال تميل فى العالم من كفة الواجبات إلى كفة الحقوق .. حق الرعية , حق الجيل الجديد , حق المرأة , حق الطفل , حق العامل , حق الزارع , حق الكتابة , حق الخطابة , حق الاحتجاج , حق السخط والقلق , حق التظاهر , حق الاعتراض على ظروف الحياة القاسية , إلى آخر طوفان متدفق من الحقوق يطالب المجتمع بتحقيقه ..

     هذا المجتمع لبنى الإنسان جميعا , لا لطبقةٍ تجور على سائر طبقاته , ومجتمع لعالم متضامن متكامل , لا لمن يتسلط عليه ويسخره لخدمته بقوة المال والسلاح , ومجتمع تعمل فيه قوى الحياة الإنسانية من شعور عاطفة وخلق وفكر وعقيدة .

     مجتمع الإنسانية , وليس بمجتمع الشيوعية , وهو مجتمع يتجه إليه ويتحراه أو ينساق إليه بقوانين الحياة .. على هدى وفى رعاية خالق الإنسان وجميع الخلائق والأكوان .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *