فى مدينة العـقاد ـــ الشيوعية والإنسانية فى شريعة الإسلام ـــ (138)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

ومن حجج الإسلام البالغة على الشيوعية ، ودعتها إلى الضيق به واعتباره خطرًا عليها ، أن المجتمع الإسلامى لا يهدم شيئًا من كيان الاجتماع الذى استفادة بنو الإنسان ، بل ويأخذ بشرع ما قبل الإسلام إذا لم ينقضه الإسلام ، فالمفهوم من سير الهداية الإلهية كما يسردها القرآن الحكيم أن حياة النوع الإنسانى تاريخ متصل يتمم بعضه بعضًا ، وتنتهى إلى التعارف بين الشعوب والقبائل تعارفًا قوامه التقوى والعمل الصالح ، ولهذا يحرص الإسلام على كيان الاجتماع فى الشخصية الفردية وفى الأسرة وفى الإيمان بوحدة النوع ، ولا يهدم بنية هذه الأبنية الحية . 

وعلى ذلك فإن الإسلام لا يهدم وإنما يصلح ويدعم ليستمر الاجتماع على أسس صحيحة ، وليقيم بنيانًا مرصوصًا يشد بعضه بعضًا , والشخصية الإنسانية حقيقة حيه فيه ، وكذلك الأسرة والنوع الإنسانى ، كلاهما حقيقة حية فى هذا البنيان . 

* * * 

ومن الملاحظ أن المجتمع الشيوعى حاقت به عواقب الحرمان من هذه القوى الحية ! وعندما أحس المجتمع الشيوعى بعواقب هذا الهدم والحرمان ، ثاب من عادوا الوطن والدين ليتمسحوا فيهما ، وحاولوا رثاء الحرية الشخصية بعد موت ستالين ، وكأنه خرج على مبادئ الدعوة المقدسة وخالف أناجيل «ماركس» و«لينين» . 

بيد أن ستالين لم يكن فى استبداده مخالفا لمبادئ أستاذيه «ماركس» و«لينين» ، بل إن مبادئ لينين المعلنة ـ صريحة فى جواز الحكم المطلق وموافقته للمبادئ الشيوعية ، ولم يكن خارجًا على مبادئ مؤسس المذهب !

وعلى ذلك فإن «الشخصية» التى تهدمها الشيوعية ـ يحميها الإسلام ويوطدها وينوط بها أوامره ونواهيه ، ويقر كرامتها واستقلالها وعدم خضوعها لسلطان الحكم أو سلطان كهانة . 

والأسرة التى تهدمها الشيوعية ، يصونها الإسلام ويحفظها ويجعلها سكنًا ورحمة . 

والبنون من زينة الحياة الدنيا فى الإسلام ، ومن نعم الله على عباده . 

أما الشعور الإنسانى الذى لا يحجبه شعور الطبقة ولا شعور العصبة ـ فهو الشعور بالأسرة الواحدة التى تجمع الشعوب والقبائل فى أبٍ واحد وأم واحدة ، بشعور الإخاء بين جميع المؤمنين .. يقول تعالى « » ، ويقول « » .. وذلك هو المثل الأعلى لنعيم الأبرار . 

* * * 

ولأن القوى التى تنعقد بها المقارنة بين نظامين اجتماعيين موجودة محسوسة الأثر ، لذلك وجد الشيوعيون فى مقومات وقوى المجتمع الإسلامى سدودًا تعوق انتشار مبادئهم بين الشعوب الإسلامية ، ليس بالتعصب الدينى ، بل لأن عقائد الإسلام الدينية تغنى المجتمعات الإسلامية عن مبادئ الشيوعية ، ومن ثم كان العداء العنيف للإسلام .

محصول الدعوة 

والمحصول من مراجعة الاشتراكية العلمية فيما يرى العقاد ـ أنها اشتراكية طوباوية ( خيالية ) غير علمية ، وأنها أشد إمعانًا فى التخريف وبعدًا عن العلم من الطوبيات التى قال « » أنه جاء باشتراكيته العلمية ليدحضها . 

وبداهة فإنه لا يعطى لمذهب « » قيمة ـ ما يسبغه عليه من الأوصاف ، أو يطلقه من وعود ، فما يطرحه أشد إمعانا فى التخريف والوعود الخيالية من الطوبيات جميعا . فهو يعد المصدقين به بمجتمع عالمى واحد من طبقة واحدة لا سيد فيها ولا مسود ، ولا حاكم ولا محكوم .. يأخذ فيه كلٌّ حقه بغير زيادة ، ويعطى كلٌّ حقوق الآخرين بغير بخس ، وأنه بذلك ينتهى فى هذا المجتمع الخيالى ، طمع الطامع وحيلة المحتال 

وكسل الكسول ، كما ينتهى فيه حب الرئاسة والاستئثار ونزاع المتنازعين على مراكز التصريف والتدبير . 

ومثل هذا التخريف يخجل منه كل حالم فى طوباه ، إلاَّ أن يكون أوهام الأحلام . 

إلاَّ أن الاشتراكية العلمية تزعم أنها ترفض هذه الطوبيات وتزدريها ولا تشغل الناس بأحلامها وأمانيها .. فما الذى جرى إذن فى ذهن الداعى إلى هذا المذهب حين تخيل أنه علمى بعيد عن الطوبيات ؟! 

يرى العقاد أن ذات « » التى تحدث عنها سلفا ، هى التى تهدينا إلى السبب الغريب . إن دافع « » إلى المباعدة بين مذهبه وبين الطوبيات هو « » التى فى الطريق والتى لا تلائم الطوبيات والطوبيين ، ولكنها لا تناقض الواقع العلمى أو العلم الواقعى ، لأن الناس تعودوا من الواقع أن يصدم الأحلام ، وتعودوا من العلم أن يهزأ بالخيال . 

تخيل « » أنه يستطيع بالواقع العلمى أن يوفق بين الاشتراكية التى يدعو إليها وبين الفظائع التى يرصدها فى طريقها ! ولا يستطيع أن يرسلها بغير عذر يشفع لها عند السامعين غير تعللها بأنها « » يضطره إلى مواجهة المصير الذى لا مفر منه !

(يتبع ) 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *