فى مدينة العـقاد ـــ الشيوعية والإنسانية فى شريعة الإسلام ـــ (137)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

 الشيوعية فى الإسلام

   ختم العقاد كتابه بباب عن الإسلام والشيوعية ، ليسجل على « ماركس » و« انجلز » أنهما لا يظهر من كلامهما عن الأديان الكبرى أنهما توسعا فى الاطلاع عليها ، ولا يظهر من كلامهما العاجل عن الإسلام والمسلمين أنهما اطّلعا على قواعد الإسلام كما يتفهمها من يتصفح القرآن الكريم والأحاديث النبوية ، فضلاً عن أقوال الأئمة والحكماء الإسلاميين .

     ويرى العقاد أننا مطالبون بإفراد القول عن الإسلام فى مذهب الشيوعيين ، لأننا أحق من الكتاب الغرباء ببيانه وبجلاء الشبهات التى يوردها عنه من يجهلونه أو تسوء فى تصويره نواياهم ، ولأن دراسة الشيوعية فى آرائها عن الدين خاصة ، تستوجب دراسة الدين الإسلامى قبل غيره من الأديان العالمية الكبرى ،لأنه يتضمن وحده معظم الشواهد التى تدحض آراء الشيوعيين فى نشأة الدين ، ولأن الإسلام نظام اجتماعى إلى جانب عقائده وشعائره الدينية ، ولذلك نظر إليه الشيوعيون كمزاحم خطير يخشون منه أن ينازعهم السلطان على عقول الأمم وضمائرها فى مقومات المجتمعات فى مسائل الأخلاق والمعاملات بما لا طاقة للماديين به فى فلسفة الحياة .

   ومن حجج الإسلام البالغة ، موازنته التى تأبى للمسلم أن ينسى نصيبه من الدنيا ، ويأمره بالأخذ من طيباتها ، على عكس الزعم بأن الدين يخدر الشعوب .

     ولم يخطر لعدو من أعداء الإسلام أن يتهمه بتحسـين الجبـن والاسـتكانة لأتباعه ، بل خطر أن يصفوه بالنقيض فيما يزعمون أنه دين سيف وقتال .

     وهو زعم باطل ، لأن الإسلام كان مبتلى بسيوف أعدائه ، قبل أن يذود بالسيف عن نفسه ، فلم يضع السيف فى غير موضعه إلاَّ دفاعًا إزاء الذين هاجموه وقاوموا دعوته وحاربوه بالسيف . فالإذن بالقتال كان لمن يقاتلون الإسلام والمسلمين ، وبلا عدوان أو تجاوز . « وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ » ، « فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ » . ومقاتلة البغى أوجبتها الضرورة فى صد العدوان ، ودون إعفاء من إصلاح السيئات ، وإيجاب الجنوح إلى السلم مع من فاء وجنح إلى السلم بعد بغيه.

     ومن الواجبات الاجتماعية فى الإسلام ، الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، وليس فيه ـ بل العكس ـ ما يمكن تسخيره فى خدمة أصحاب الأموال أو القابضين على وسائل الإنتاج ، بل وحرّم الربا والاحتكار وكنز الأموال .

     ولم يستثن الأغنياء وأصحاب الجاه من الجزاء الذى تفرضه الشريعة ، فكان زجر من تَشَفَّعَ ـ فى الحد ـ للسيدة المخزومية القرشية ، ولم يُحْصَ على الإسلام خدمة السادة أو أصحاب العصبيات ، فلا كرامة إلاَّ للتقوى « إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ » . ولا عصبية
ولا تفاخر بالأحساب والأنساب ولا فضل لأحد على سواه إلاّ بهذه التقوى . ورسول القرآن عليه الصلاة والسلام مبعوث إلى الناس كافة ، والناس جميعًا أبناء أمة واحدة تفرعوا شعوبًا وقبائل ليتعارفوا ولا مفاضلة بينهم إلاَّ بالتقوى والعمل الصالح ، فلا فضل لعربى على أعجمى ولا لقرشى على حبشى إلاَّ بهذه التقوى . وكل الناس لآدم ، وآدم من تراب .

     وفى هذا الأدب الإلهى لا مجال للتفاضل بغير الأعمال ، وكل نفس بما كسبت رهينة ، لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ، ولا تزر وازرة وزر أخرى .

     وقوام الإسلام يفند كل ما تتوسل إليه الشيوعية لنشر مذهبها ، ولم تفلح مكاتيب الشيوعية ولا موسوعة الثقافة الشيوعية فيما أرادوه بوصم الإسلام بالرجعية ومعاونة الاستغلال , أو اعتباره من موانع أو عقبات التقدم , فقد شهدت الحضارة الإسلامية بنقيض هذه الدعاوى التى توسلت فيها الشيوعية بالدعاية الرخيصة , فأخفقت إخفاقًا ذريعًا وتراجعت مزاعمها ـ أمام انتشار الإسلام فى قلب الأوطان التى بدأت فيها الشيوعية حركتها.

*           *             *

     والنظام الاجتماعى الذى جاء به الإسلام لم يصطنع الرق الذى كان سائدًا فى العالم , وإنما قاومه حتى قضى عليه فى النهاية بسياسة مرسومة قلصت أبواب الرق وفتحت أبواب العتق وحضت عليه ـ كذلك لم يجئ هذا النظام الاجتماعى بتعدد الزوجات , فقد كان التعدد موجودًا وشائعًا قبل الإسلام , وشائعًا فى اليهودية التى تعددت فيها زوجات بعض أنبيائها حتى بلغن المئات , فلم يبتدع الإسلام هذا التعدد بل قيده , ثم شرط له العدل وزاد أن أشار إلى أن تحقيقه صعب بل وخارج الاستطاعة مهما كان الحرص على بلوغه .

     ومجمل القول أن الإسلام لم ينشئ وإنما عالج تعدد الزوجات كما عالج الرق فى عصر الدعوة , حين وجد حالاً سيئة فواجهها بمنظور تغيّا الإصلاح وسعى إليه .

   وأقام الإسلام العدل على أساس المساواة بين الواجبات والحقوق , وعدله فى بيان حقوق المرأة وحقوقها هى على الرجل وحقوق الرجل عليها , فى تقسيم للواجبات والحقوق قائم على تقسيم الفطرة التى تصح بها موازين الأسرة ومعاشها وتربية أبنائها وتنشئة جيل جديد مكتمل المقومات النفسية والتربوية .

     ويحصى العقاد على الشيوعية , قول زعيمها « خروتشوف » بعد أربعين سنة من اللغط « بالرجعية » فى الإسلام والزعم بالتقدم فى المذهب المادى ـ فى تقريره للمؤتمر العشرين من مؤتمرات الحزب الشيوعى ( فبراير 1956 ) , والذى أقر فيه بأنه لا يمكن تجاهل الحقيقة الملحوظة فى هيئات كثيرة من هيئات الحزب , وهى الحذر من ترشيح النساء للمراكز الرئيسية , وأن عدد النساء قليل جدًا بين أصحاب المراكز الموجهة فى الأعمال السوفييتية . ولم يلاحظ هذا الحذر فى مجتمع يدين بالرجعية الإسلامية حسب التوصيف المعطى فى مذهبهم للإسلام .

(يتبع )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *