فى مدينة العـقاد الشيوعية والإنسانية فى شريعة الإسلام ـــ (128)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

جاء « كارل ماركس » فى نظر العقاد , فأبقى فقط إطار مذهب « هيجل » ولكنه أفرغه من محتوياته , ونقله من مذهب فكرى لا يرى غير الفكرة ـ إلى مذهب مادى لا يرى شيئًا غير المادة , وسمى ماركس مذهبه هذا بالمادية الثنائية , وسمى قوانينها بالتفسير المادى للتاريخ .. فالمادة عند ماركس هى كل شىء , والفكرة عنده مخلوقة من المادة , بل والوعى الإنسانى ما هو إلاَّ أعلى ما ارتقت إليه المادة !

     ويستعير ماركس فكرة النقائض لهيجل , ولكن ليوظفها بمفهوم آخر هو أن الضرورات المادية فى المجتمع هى التى تحرك أدوار التاريخ , فيأتى كل دور منها « بنقيض » ما تقدمه .. ولا تزال الأدوار تتعاقب نقيضًا بعد نقيض حتى يأتى الدور الأخير فى المجتمع الإنسانى والذى يستولى عليه نظام واحد لا أضداد فيه .

     ويتخذ ماركس من « الإنتاج » الذى تحتاجه الضرورات المادية ـ يتخذه المحزَّ الذى تدور حوله الأعراف والعقائد والأخلاق , وتشتجر حوله الأطوار فيما يسميه « حرب الطبقات » ..

     وهذه هى النقائض المادية التى يعوّل عليها ماركس فى تفسير التاريخ .

     فمن المشاع فى الملكية , إلى استيلاء السادة على وسائل الإنتاج باستخدام الأرقاء والمسخرين , إلى حلول الفرسان أرباب الإقطاعات محلهم , ثم تجار المدن وأصحاب الأموال البرجوازيون من بعدهم , ثم ليأتى الطور الثانى من أطوار رأس المال مع تقدم الصناعة ونشوء الصناعة الكبرى فى عصر التجار والمخترعات الحديثة .

     وعلى هذا التصوير , تنتقل نقائض التاريخ الإنسانى , من عصر الشيوع البدائى إلى عصر الرق إلى عصر الإقطاع إلى عصر البرجوازية إلى عصر رأس المال الأخير , وهنا تنتهى النقائض لانتهاء عصر الاستغلال .

     وعلى حسب المادية الثنائية , يموت كل دور من أدوار التاريخ بجراثيم الغناء التى تتوالد فى بنيته , ولكنه لا يموت حتى يبلغ قصاراه من التمام .. وآخر عهده بالتمام هو أول عهده بالزوال .

       ويخرج ماركس إلى أن أدوار الاستغلال آلت إلى الاستغلال الأكبر وهو دور الصناعة الكبرى الذى يبنى عليه نظريته .. وهو استغلال يرى أنه يعيش بما يسميه « القيمة الفائضة » .. فبهذه القيمة الفائضة ينمو , ثم بذات هذه القيمة الفائضة يموت .

     أما « القيمة الفائضة » فهى تقوم فى مذهب « كارل ماركس » ـ على نظرية العمل والكسب , على أساس أن العمل هو الذى يعطى كل شىء قيمته , ولا قيمة لشىء بغير العمل الاجتماعى الذى يُبْذل فيه ..

     ولو لم يكن هناك استغلال , لحصل العامل على كل ثمرة عمله , إلاَّ أن صاحب المال يستغل اضطرار العامل , فلا يعطيه من ناتج عمله سوى ما يكفى لقوته وضرورات المعيشة , ويحتجز الباقى لنفسه , وهو ما يزداد تضخما بتقلبات العرض والطلب , سواء برفع الأثمان , أو إنقاص أجور العمال , فتزداد قيمة الفائض الذى يحتجزه صاحب المال لنفسه , وهو ما يسميه ماركس بالقيمة الفاضلة .. أو بعبارة أخرى فائض القيمة الذى يستأثر به المستغلون أصحاب رؤوس الأموال .

     ومع أن « كارل ماركس » يعلم أن العالم يقوم على الأوطان والعقائد وآداب السلوك والعرف المتبع بين الأمم , إلاَّ أنه يدعو إلى هدمه , مقررًا أن كل هذا تابع لنظام رأس المال , ولابد من ثم أن يزول حتى ينشأ المجتمع الإنسانى على ما يتخيله .

     وأهم عناصر هذا المذهب : المادية ووسائل الإنتاج وصراع الطبقات , والقيمة الفاضلة أو فائض القيمة ..

المادية

       تفسير « المادية » بالظواهر النفسية , يورى بأنها أدنى المذاهب إلى اليأس والعنف والخطط الآلية , وأشد الماديات إغراقًا فى اليأس والعنف ـ فيما يرى العقاد ـ هى المادية التى إختارها « كارل ماركس » وسمَّاها بالمادية الثنائية .

     فالمذاهب المادية متعددة ، أشهرها المادية « المَكنيّة » ( التمكن والمكانة : آلة أو جهاز ) ، والمادية « الناموسية » ( من الناموس = القانون أو الشريعة ) .

     والمادية « المكنية » هى التى تتخيل الكون فى صورة مكنة ( آلة ) مدارة ، تتركب كل أداة منها فى موضعها وتدور كما تدور الآلات ..

     فلا بد عند « كارل ماركس » من مكنة تدير نفسها من باطنها ، ولا يمكن أن تُدار من خارجها على فرض من الفروض ، ولهذا يجب أن تسقط المادية المكنية أو « المكنازم »
«
Mechanism » من الحسبان على أى احتمال .

     ويرى العقاد أن مادية النواميس شبيهة من بعض الوجوه بالمادية المكنية ، وهى التى يقول أصحابها أن ظواهر الكون المحسوسة كلها مادية .. تديرها النواميس المركبة فى طبائعها ، وتتحرك فى نطاقها بأمر خالق المادة وخالق النواميس ..

     ويرفض كارل ماركس المادية المكنية ، لأنها تفتح الأبواب لافتراض « المدير المدبر » ، ومتى كان ذلك ، فإن المادية التى تؤمن بوجود الحقيقة من وراء الظواهر والنواميس ـ تكون مرفوضة من باب أولى ..

     وسواء كان رفض ماركس للمادية المكنية صحيحًا أو غير صحيح ، فإن ما يعنى العقاد منه هو موقعه من الظواهر النفسية ، لأنه أقرب المذاهب موقعًا من اليأس والعنف .

     أما البحث فى هذه المادية بمقاييس الفكر والعلم فمحصوله أنها ترقيع ، وتفكير ساذج ، وبقيه من بقايا الخرافات الإسرائيلية ، ولا تنتهى إلى النتائج التى افترضها « ماركس » ، ومن الترقيع أن تستعير فلسفة « هيجل » من المثالية إلى المادية وأن تستعير مصطلحاتها وأطوارها .. والغريب إسناد البطلان إلى فلسفة « هيجل » كما وضعها صاحبها ، ثم القول بأنها صحيحة فى « استعارة » كارل ماركس !

     ويرى الأستاذ العقاد أن السخافة فى المادية الماركسية ، أظهر من سخافة الترقيع والتلفيق ، لأنها تقوم على النظرة العامة السهلة التى كانت شائعة بين جمهرة المتعالمين فى القرن السابع عشر على ما فى منطقهم من تهافت .

     وعند هؤلاء أن المادة مفسرة بالبداهة ، ناطقة بالبداهة ، غنية بالبداهة ، عن كل تفسير وكل تعبير ..

     وهذه النظرة الساذجة ـ هى نظرة « التفسير المادى » للوجود .. ظاهره وخافيه ، وهى نظرة « كارل ماركس » فى تفسير الكون وتفسير التاريخ .. ولم تكن سذاجة هذه النظرة خافية فى عصر « كارل ماركس » ، ولكنها خفيت عليه فى تعجله ومتابعته لهواه ، دون أن يلتزم الأناة والروية أمام المجهول !

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *