فى مدينة العـقاد الشيوعية والإنسانية فى شريعة الإسلام ـــ (127)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

بواعث الشكاية فى الماركسية

     من العبارات الجارية مجرى المثل فى مصطلحات الماركسيين أن « مذهب هيجل » قد قَلَب الحقيقة ، فأقامها على رأسها فى التراب بدلاً من قدميها .

     ولكن العقاد ينقل هذه التهمة إلى « الماركسية » ذاتها ، وكعادته يقدم دليله الذى يتمحص فى أن مشاهد الواقع تؤكد أن الأسباب المادية لا تغير حالة من حالات البشر إلاّ إذا تحولت إلى أسباب نفسية .

     أما مذهب « كارل ماركس » فهو يقلب هذه الحقيقة ـ فيما يقول ـ رأسًا على عقب ، فيقول « إن الأسباب النفسية لا تغير حالة من حالات البشر إلاّ إذا تحولت إلى أسباب
مادية » .

    ومن المفارقة أن يكون ذات القرن التاسع عشر ، الذى ولد فيه « كارل ماركس » ـ أسبق التواريخ إلى نقض تصوره ، وإثبات أثر « الحالات النفسية » التى كونتها شكايات قاسية ـ أثرها فى حركات الإصلاح أو حركات الثورة والانقلاب فى القارة الأوروبية خلال ذلك القرن .. وظهر من مذاهب الإصلاح فى مدى خمسين سنة ، والقائمة على المساواة والاشتراكية ، أضعاف ما ظهر من هذه المذاهب فى القرون الأولى .

     ومع ذلك لم تكن القرون الأولى خالية من الشكايات الكثيرة القاسية ، ظهرت فى عصر الثورة الفرنسية ، وقبلها فى عصر الإصلاح والأزمات الدينية العلمية ، وقبل ذلك فى عصر الحروب الصليبية ، وقبله عصر الظلمات فى القرون الوسطى وأوبئتها ومنازعاتها وأزماتها ، وقبله فى عصر انحلال الدول الرومانية ، وقبله عصور أخرى لم تنقطع فيها هذه الشكايات الكثيرة القاسية ولا الحوادث الكبرى التى ترجمت عنها .

     على أن اللافت أن الشكاية الكبرى الحاطمة ، وهى شكاية الفقر ، لم تكن من طوارئ القرن التاسع عشر على القارة الأوروبية ، فقد كان الأوروبى فى ذلك القرن أقل فقرًا من أسلافه ، ولكنه كان أكثر شكايةً وأنشط حركة فى طلب التبديل والتغيير الارتقاء عمن كانوا قبله أسوأ حالاً وأكثر فقرًا .

     والسبب ، أن أوروبى القرن التاسع عشر ، كان أعرف من أسلافه بحقوقه ، ومن ثم أشد شعورًا بالحرمان .

       وهذا العامل النفسى ـ الشعور بالحرمان ـ هو الباعث المهم إلى الإصلاح فى القرن التاسع عشر ، ولم تكن هذه الثورة على قدر التقدم فى أدوار الصناعة الكبرى كما يقرر
« كارل ماركس » فى مذهبه ، بل كانت على قدر الحاجة إلى الحرية والاعتراف بحقوق المساواة .

     ومن الملاحظ أن الثورة الروسية لم تخرج من عصر الصناعة الكبرى ، وإنما نشأ دعاتها فى بلاد لم تخرج بعد من عصر الإقطاع ولم تكن لها صناعة كبرى تُذكر بين الأقطار الصناعية .

     ومن الملاحظ أيضا أن البلاد التى تقدمت فى الصناعة الكبرى ، كالبلاد الإنجليزية ، قلت فيها الدعوة إلى الثورة ، وعظمت فيها الدعوة إلى الإصلاح بالطرق الدستورية .

       كانت الدعوة إلى الثورة تشتد ـ فيما أبدى العقاد ـ على حساب الشعور بالحاجة إلى الحرية , وكانت الدعوة إلى الإصلاح السلمى تشتد على قدر التقدم فى الصناعة الكبرى .. خلافًا لما قرره ماركس وأشياعه .

     وكانت الثورة فى طلب الحرية ـ عامة فى أنحاء القارة الأوروبية , على اختلاف درجاتها من الصناعة أو اختلاف أطوارها من وسائل الإنتاج . بحيث إذا قلت الحرية زادت حدة الثورة وشدة الانقلاب .

     وقد كان لزامًا على ماركس وشيعته , أن يثبتوا مبنى الدعوة التى تناقض هذه الحقيقة الثابتة , ولكنهم أخفقوا فى ذلك , بل وتركوا « وسائل الإنتاج » التى تمثل عصبًا فى مذهبهم ـ تركوها لغزًا مبهمًا يتيهون فيه دون أن يفضى بهم إلى شاطئ .

     ما هى وسائل الإنتاج ؟ أهى الآلات الصناعية , أم هى الطبقة المشرفة عليها ؟ وهل الطبقة هى التى تنشئ وسائل الإنتاج , أم أن هذه الوسائل هى التى تنشئ الطبقة ؟

     يرصد الأستاذ العقاد ما قيل فى الماركسية من إجابات تفرقت فى كتابات « كارل
ماركس » و« فردريك إنجلز » وأقطاب الشيوعية , فيحصى عليها ما فيها من تناقض وتهافت لا ينى العقاد فى بيان مظاهره , ولا فى تقويض دعاويه . ليعود منها إلى بيان تهافت المذهب كله .

المذهب

     تقوم المادية الماركسية ـ فيما أبدى العقاد ـ على أساس مستعار من مذهب هيجل الفيلسوف الألمانى صاحب « المثالية » أو « الفكرية الحديثة » , وأورد لينين فى
تعليقاته الفلسفية التى نشرت بعد موته :
« إن كتاب « رأس المال » لا معنى له بغير مذهب « هيجل » القائم على تطور النقائض أو الثنائية » .

   ولباب مذهب « هيجل » أن الوجود والحق إنما هو وجود الفكرة المطلقة ، وأن الفكرة أبدية أزلية ولكن قدرتها رهينة بالقوة والقابلية ، وسبيل تحققها بالفعل فى أطوار التاريخ .. فالفكرة تعرف كل شىء بالقوة والقابلية ، وتتطور ثم تصل إلى أرفع أطوارها فى وَعْى الإنسان .. وبهذه المعرفة تتحقق الحرية المطلقة ، وتصل إلى تمامها بتمام الحرية .

     وأطوار الفكرة تتكامل ، فكل طور ناقص يتممه طور آخر فيما سماه « هيجل » قانون النقائض أو قانون الثنائية ، وسماه آخرون قانون الحوار من باب المجاز ، فالحوار يجرى على رأيين متقابلين .. ولذلك فكل طور من أطوار التاريخ لا يشتمل على« كُلًّ » كامل ، بل يشتمل على« جزء » يقابله جزء آخر ، وتكمن فيه جرثومة التناقض لأنه « بعض » وليس « بكلٍّ » محيط بجميع الخصائص والأطوار .

     فنحن لا نفهم شيئًا من الأشياء بما هو عليه فقط ، بل وبما ليس عليه أيضًا ، أو كما قيل قديما : « وبضدهما تتميز الأشياء » .

     والتناقض ـ على هذا ـ هو دافع الحركة ودافع التقدم والحرية ، إلى أن يبطل التناقض فى الأجزاء باحتوائها جميعًا فى « الكل » الذى لا شىء فيه يناقض بعضه بعضًا .

       ومقتضى مذهب « هيجل » ـ فيما يقول العقاد ـ أن الحكومة البروسية هى أعلى ما ارتقى إليه الوعى الكونى من أطوار التاريخ ، فبقيامها بين المحكومين تتحقق حرية الجميع بلا تصادم حرية أحدٍ بآخر .

     وعلى حسب مذهب « هيجل » يمكن أن يقال إن الفوضى الأولى فى المجتمعات البدائية تبعتها السلطة المطلقة ، وبها مع الفوضى اجتمع نظام الاستبداد المحدود ، ثم ظهر نقيضه فى نظم الحكومات الديمقراطية والإمبراطورية المتحدة .

   ومع تعدد مظاهر التاريخ , فإنها تدل عليها ـ عند « هيجل » ـ الأفكار والفنون , كما تدل عليها الدول والنظم والقوانين … وتخلق هذه المظاهر بواعث الرجاء ثم تأتى بعدها بواعث اليأس , والذى يعود فيقوينا ويستنفر عزائمنا لنتخطاه , ونتطلع إلى رجاء أعظم وأبقى , ومن هنا تترقى المعتقدات وتترقى المعرفة وشعائر الأديان . ( يتبع )

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *