فى مدينة العـقاد أفيون الشعوب ـ المذاهب الهدامة ـــ (125)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

     فالمدرسة الرمزية ـ كالوجودية ـ هى إحدى المذاهب الصالحة التى قد يفسدها الداعون إليها ، فهى صالحة فيما يقول العقاد ـ إذا اعتبرنا الكلام رمزًا إلى المعنى ، وأنه يتفاوت فى الوضوح تبعًا لتفاوته فى الألفة ومدى الجريان على الألسنة والتفاهم عليه .

     وقد يكون المعنى من نوادر الذهن فلا يكون له رمز شائع ، ويستلزم التعبير عنه أن يبتدع له صاحبه رمزًا من عنده ، وقد يكون الرمز من قبيل المجاز .

     انتقل العقاد إلى الفصل بين هذه الحدود ، سعيًا لإلحاق أساليب هذه الرموز بمذاهب البناء أو بمذاهب الهدم .

(1) حب الأزياء

     بدأ العقاد بظاهرة حب الأزياء والآداب ، واتخذ لها مثلاً بما شاع فى باريس ـ عاصمة الحضارة ـ بعد القرون الوسطى بين مجالس الطبقات العليا ، وبين فرسان البلاط ، وانتقلت إلى جميع البلدان ومع بداية نهضة الإحياء الحديثة باستحياء الأساليب اللاتينية واليونانية ، توالت أنماط جديدة بين أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن العشرين .. من المدرسة المجازية إلى المدرسة الواقعية إلى المدرسة البرناسية إلى المدرسة الرمزية .

     ولم يكن التفات الناس إلى عاصمة الأزياء وانتظارهم الجديد منها ، هو الباعث الوحيد لتعاقب هذه المدارس ، وإنما واكبها أيضًا الولع وحب الاندفاع فى السليقة الفرنسية ، فأصبح حب التغيير لازمة من لوازم هذا الولع بالمدارس الأدبية المتلاحقة .

     ويلاحظ العقاد أن هذه المدارس خلت من القمم العالية من أعلام وأفذاذ الأدب المعدودين ، كموليير وراسين وشاتوبريان وهوجو ولامرتين وموسيه وأناتول فرانس وبروست ، وإنما شاعت فى بيئات الأوساط وأشباه الأوساط الذين يخضعون لموجات التقلب أو التكلف والاصطناع .

(2) ظهور الرمزية

       وكان الصف الأول من طليعة هذه المدارس هو صف الإحياء ـ أو صف الأساليب اللاتينية واليونانية القديمة ، دون أن يخلو من دعوة الفلاسفة والشعراء إلى بساطة « الطبيعة » .

       ثم تفنن الأدباء فى المجاز على أنماط شتى من الأساليب المزوّقة ، فتعددت الأساليب المجازية تبعًا لأذواق الأدباء ، ثم شاعت فى هذه المدرسة المجازية مباحث العلم ومقررات العلماء المحدثين ، فظهرت المدرسة الواقعية والمدرسة البرناسية ، وكلاهما تنزع إلى الأسلوب المدرسى البسيط ممزوجًا بلون الدراسات العلمية .

       ويدل اسم المدرسة البرناسية ، بعض الدلالة ، على مذهبها .. فأصحابها ينسبون أنفسهم إلى « البرناس » وهو جبل أبولون وعرائس الفن فى اليونان القديمة ، ولذلك تجد البرناسيين المعاصرين مدرسيين من ناحية الإقتداء بأعلام الأدب اليونانى القديم ، ومحدثين علميين من ناحية التجديد العصرى على نمط لم يعرفه قدماء اليونان .

     كان شعار البرناسيين « الكلمة المحكمة » ، وعقيدتهم أن « الفن للفن » بلا تنميق أو تهويل ، وبلا قصد غير إحكام التعبير .

     ولكن البرناسيين أفرطوا فاندفعوا إلى الطرف الآخر ، فكان إفراطهم مسوغًا بعض التسويغ لظهور الرمزيين .

(3) مسوغات الرمزية

       والتعبير بالرموز عادة قديمة ، شاعت بين كهان الديانات ، والنسَّاك المتصوفين ، وفى بعض الدول التى تقهر رعاياها على عقيدة لا يدينون بها وقد يدينون بغيرها ، فرمز هؤلاء إلى عقائدهم برموز يفهمونها فيما بينهم ، وقد يرمز الإنسان لما لا يقدر على التصريح به .

   وفحوى شيوع الرمز وتعدد أحواله وأغراضه ، أنه لا حاجة به إلى مدرسة لتعليم الناس كيف يرمزون ويكنون حين ينبغى أو يستحب الرمز أو الكناية ، وإنما قد يحتاجون إلى تذكيرهم بحقيقة قد ينسونها فى غمرة الاندفاع والمغالاة ، وهى أن الحياة تنطوى على كثير من الأسرار ، وأن العالم نور وظلام ، وأنه كثيرا ما يفاجئنا بمعانٍ لا تترجم عنها الألفاظ ولا غنًى فيها عن الإشارة والاستعارة والكناية .

       وقد تنقل العالم الأوروبى منذ عهد الإصلاح فى ثلاثة أطوار عقلية : طور لم يكن فيه سلطان للعقل فى تفسير الوجود ، وطور ثار فيه العقل لحقوقه المشروعة ثم بالغ فى الثورة حتى أوشك أن يستبد بكل سلطان ، وطور ثارت فيه البديهة الإنسانية لتذكر العقل بالحقيقة التى نسيها فى شططة وغلوائه . وفى هذا الطور الثالث صنع « رد الفعل » صنيعه المعهود فى أمثال هذه الأطوار , فثار المفكرون أنفسهم على العقلية « Rationalism » ، كما ثار الفنانون على الواقعية « Realism » , فظهرت ضروب شتى من دعوات المثاليين والنفسانيين والروحانيين وفلاسفة المنطق الحديث الذى يدين بالبصيرة كما يدين بالقياس والتحليل .

     فى هذه الفترة ـ فيما يلاحظ العقاد ـ ظهر الرمزيون فى الآداب الفرنسية .

     وطفق العقاد يتتبع هذا الظهور وملامحه وآثاره , وأطواره .. وكيف غلا غلاة الرمزيين الذين لم يفهموا حق الفهم ما هو الوعى الباطن وما هو الوعى الظاهر .. ليخلص إلى أن الرمزية تكون فى حدودها المعقولة ما لم تجعل الدنيا كلها رموزًا وكناياتٍ وأطيافًا , وهى ضرورية ما شعر الإنسان بضرورتها فى تمثيل الدقائق والأسرار , ولكنها تجاوز الضرورة إلى الضرر إذا صارت مطلوبة لغير سبب وصار شعارها « الرمز للرمز » .. أو الغموض للغموض !

     ويرى الأستاذ العقاد أنها على الجملة « خطر » حين تصبح مدرسة قائمة بذاتها , لأن الإنسان لا يحتاج إلى مدرسة ليكون إنسانًا يعبر باللفظ الصريح حين يأتيه أو يتأثر التعبير به , ويعبر بالكناية حين لا تسعفه غيرها , وقد عرف الناس « الاستعارة » فى جميع اللغات فلم تكن استعارتهم سوى ضربٍ من الرمز والتصوير بالكلام .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *