فى مدينة العـقاد أفيون الشعوب ـ المذاهب الهدامة ـــ (124)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

المدرسة الرمزية

     لم تكن هذه هى المرة الأولى التى يكتب فها العقاد عن الرمزية ، فقد سبق كتاب « المذاهب الهدامة » الصادر طبعته الأولى سنة 1956 ، سبقه نشر فصلين منه بمجلة « الكتاب » فى نوفمبر 1946 ويناير 1947 ، وكتب عن « المدرسة الرمزية » بأحد مقالات كتابه « يسألونك » الذى صدرت طبعته الأولى سنة 1946 ، ونشرت بعض فصوله فى مجلة « الرسالة » فى تواريخ غير منتظمة خلال الفترة من 4/5/1937 حتى 10/12/1945 .

     ومقاله عن « المدرسة الرمزية » المنشور بمجموعة « يسألونك » ، كان إجابة على سؤال أتاه من أديب فى بغداد ، يسأله عن الرمزية فى الأدب .

     فأجابه بأن الرمزية التى يسأل عنها قديمة فى العالم ، وأن الناس عرفوا الكتابة بالرموز قبل أن يعرفوا الكتابة بالحروف ، ولأن الكهانات القديمة كانت تلجا للرموز فى استئثارها بأسرار الدين .

     ثم ارتفع حجر الكهانات عن أسرار الدين ، ولكن الولع بالأسرار والبحث عن الغوامض والغيوب ـ طبيعة فى بعض النفوس ، فظهر المولعون بذلك بين المسلمين كما ظهروا بين الأمم المسيحية والإسرائيلية ، فقسموا عندنا العلم إلى علم شريعة يريدون بها ما يبدو على ظواهر الأشياء ، وعلم الحقيقة الذى ينفذ إلى بواطن الأسباب المغيبة عن العقل المكشوفة للبصيرة ، وقابلهم عند الأمم الأخرى جماعة المتعمقين الموكلين بالغوامض والأسرار ، وعرفوا باسم « الخفيين » « Mystics » ، ولا يزال لهم مريدون فشاع الرمز بين هؤلاء وأولاء .

       ولكن المقصود بالرمزية فى الأدب الحديث ، المدرسة التى راجت فى أوائل القرن العشرين ، وظهرت فى فرنسا فى أعقاب « البرناسيين » أصحاب القول بجمال القالب والكلوف على المحاسن الظاهرة فى أساليب الشعر والنثر وصياغة العبارات ، وعندهم أن العقل المحسوس هو آية الجمال والبلاغة فى جميع الفنون .

     ويضيف العقاد فى إجابته على السائل البغدادى ، أن الرمزيين كانوا على حق فى معارضتهم للبرناسيين ، لولا الغلو الذى يندفع إليه أصحاب المدارس الجديدة .

     فالأدب لا يستغنى عن الوحى والإشارة ، وأبلغ الأدب ما يجمع الكثير فى القليل ويطلق الذهن من وراء الظواهر القريبة على المعانى البعيدة ، ولكن هذه المدرسة غالت وتمادت فى الغلو حتى ظهر من دعاتها من يجعل الغموض والتعمية غرضًا مقصودًا لذاته ، وخيل إليهم أنهم مطالبون بالتعبير عن أنفسهم بالرموز حتى وإن أغنتهم الكلمات الواضحة المفهومة .

     وخلاصة هذا المذهب عندهم أن الأحلام هى لغة الرمز التى يعبر بها « الوعى الباطن » عن شعوره المكبوت ، وهكذا تتمثل معانى « الوعى الباطن » رموزًا جسدية ، لأن الإنسان لا يمثل المعانى فى أحلامه وأمانيه ، وإنما يتمثل ما يراه ويلمسه بالحواس .

     فما هى إلاَّ أن راجت كلمة « الوعى الباطن » ورموزه فى الاصطلاح وخيالات الفنون ، حتى تلقفها أذناب المدرسة الرمزية تلقف الببغاوات بغير فهم ولا روية .

     وبعد أن كان الرمزيون لا يتجاوزون فى دعوتهم التذكير بوجود الأسرار والمعانى التى توحى إليها ـ صاروا ينكرون الحس الظاهر وينكرون الحواس وعملها ، وانتهى الأمر بأن بَطُل الوضوح عندهم وكأنه نقيصة .

     وأضاف العقاد فى جوابه ، أن البدايات كانت فى فرنسا التى من آفاتها الولع بالأزياء والولع من ثم بالمدارس كأنها أزياء ، فطفقت هذه الدعوة الجديدة تتلقفها وتتقاسمها الفنون المختلفة ، ويبشر به المصورون والنحاتون كما يبشر بها الشعراء والكتاب .

     واخذ المتاجرون بالصور يعمدون إلى جمع لوحات فقراء الفنانين بأثمان زهيدة ، ويخزنونها زمنًا إلى أن يختاروا وقت إبرازها والمتاجرة بها ، على حين عزتها إحدى المجلات إلى « المدرسة الجديدة » ، وإذ بهذه المدرسة تصير فى دوائر الفن أحدوثة ومحورًا للهجوم والدفاع ، وصارت هذه اللوحات غرضًا لأصحاب الثروات الأمريكية أو أصحاب الألقاب الروسية ممن يصطنعون الوجاهة واقتناء التحف .

     وهكذا خرجت « المدرسة الجديدة » إلى الدنيا ، وراجت الرمزية فى الكتابة والشعر ، كما راجت فى النحت والتصوير ، وشوهدت صور لا يعرفها أصحابها ، ولا يتفق اثنان من المصورين أنفسهم على تفسير ملامحها والغرض منها .

     وانتهى العقاد فى جوابه الذى عرج فيه إلى التفاصيل والأمثلة ـ إلى أن الرمزية سليمة فى حدودها الأولى ، ولكنها مريضة عوجاء حين تنكر الوضوح وتشيد بالتعمية للتعمية .

   وبهذه الخاتمة بدأ العقاد حديثة عن « المدرسة الرمزية » فى كتابه « أفيون الشعوب ـ المذاهب الهدامة » .  

 ( يتبع )

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *