فى مدينة العـقاد أفيون الشعوب ـ المذاهب الهدامة ـــ (123)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

الوجودية بين أنصارها وخصومها

     يعقد الأستاذ العقاد فصلا تحت هذا العنوان , يسارع إلى نقضه ـ كما يقول ـ بأن الوجودية أقل المذاهب قبولاً للتنازع الشديد بين الأنصار والخصوم , لأنها تتسع للنقائض من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار , وتضم تحت عنوانها الشامل أناسًا يؤمنون إيمان العجائز كما يقال , وأناسًا يكفرون بكل معتقد ويتحللون من كل دين .

     ويضرب العقاد أمثلة لتناقضات المنضوين فى لواء الوجودية ..

     كيركجرد دنماركى يميل إلى الكنيسة البروتستانتية .

     وبرداييف روسى يميل إلى الكنيسة الأرثوذكسية .

     ومارسل   فرنسى يميل إلى الكنيسة الكاثوليكية .

     وهيدجر ألمانى يهودى يميل إلى الإلحاد ويكاد أن ينكر كل موجود وراء الطبيعة .

     وسارتر فرنسى « نصف يهودى » يفرط فى الإلحاد والإنكار غاية الإفراط .

     وكرشنا مورتى هندى يتصوف تصوف النساك ويجعل لكل روح بشرية محرابًا مستقلاً تعبد فيه بمعزل عن جميع الديانات .

مذاهب الوجوديين

   ويوجد بين الوجوديين مثل هذا الاختلاف فى مسائل الأخلاق والواجبات الاجتماعية , فمنهم من يدين بالإباحة المطلقة , ومنهم من يروض نفسه على التقوى كأنه راهب فى صومعة .

     ولا يوجد بين هؤلاء المتفرقين بين العقائد والمذاهب , ما يجمع بينهم تحت عنوان « الوجودية » , سوى أنهم يؤمنون جميعا بأن « الوجود » مقدم على « الماهية » .

     وما دام الفرد هو الحقيقة الموجودة , فمن الظلم أن نضحى به فى سبيل الكلمة الوهمية أو الصورة الخيالية التى تجرى على الألسنة عن « الماهية » .

كيف يتقرر وجود الفرد

     ما دام الفرد عندهم هو الموجود , فمن حقه أن يقرر وجوده أو أن يثبت وجوده قبل كل شىء , وليدع كلمة « الإنسان » موزعة بين الجميع . ولكن من هنا يبدأ الخلاف بين الوجوديين أنفسهم .

     ففند بعضهم أن وجود الفرد يتقرر ويتحقق بإطلاق العنان لرغباته وشهواته .

   وعند فريق آخر أن وجود الفرد يتحقق إذا اتصل بالوجود الأعظم : وجود الإله , أو وجود الكون , أو وجود « الكارما » فى عرف البرهميين .

     وعند فريق ثالث أن وجود الفرد يتحقق بمواجهة المخاوف والأخطار والتعرض للقلق واستخراج كل قوة فى أعماق النفس بتجربة هذا الخوف والتغلب عليه وقبول الأقدار قبول الاختيار .

   وعند غير هؤلاء جميعا , من يرون أن فى العقيدة تكرار وتقليد , وأن التقليد تزييف وتلفيق , وأن الوجود الصحيح إنما يكون بالعقيدة ـ عقيدتهم ـ التى لا تقبل التكرار .

     والواقع فيما يقول الأستاذ العقاد ـ أن الخلاف بين القائلين بالوجود , وبين القائلين بالماهية , أقدم من أرسطو وأفلاطون . فالقول بالمثل ( جمع مثال ) فى مذهب أفلاطون , أو بالصور( جمع صورة ) فى مذهب أرسطو ـ إنما هو نسخة قديمة من الخلاف على وجود الفرد ووجود النوع , وقد تجدد هذا الخلاف على أشده وأعنفه فى القرون الوسطى بين الواقعيين Realists والاسميين Nominalists .

   فالواقعيون يقولون إن الوجود حق للأفراد .

   والإسميون ـ فى رأى خصومهم ـ يتعلقون باسم باللسان لا وجود له فى الحس والعيان .

     ومع أن هذا الخلاف إذن قديم , لم يخلقه الوجوديون المتأخرون , إلاَّ أن الوجودية الحديثة تعد مع ذلك ـ ظاهرة من ظواهر القرن العشرين لم يعرفها الأقدمون .

الوجودية الحديثة

     هذه الوجودية الحديثة , ظاهرة اجتماعية , نشأت بعد نشوء الديمقراطية , ولكنها تضخمت وتجسمت بعد نشوء الشيوعية وضياع الفرد فى غمار المجموع .

     هى إذن ثورة احتجاج من الفرد على طغيان الجماعات , وسعى لإثبات حق الفرد أمام الدعاوى التى تكاد تلغيه .

     ولا مراء فى أن الوجودية بهذا المعنى رد فعل معقول إزاء هذا الزحف على وجود وحقوق الفرد , إلاَّ أن الآفة تكمن فى المغالاة .. ومن المغالاة إنكار النوع وإثبات الفرد وحده , فالنوع موجود فى كيان الفرد ذاته وفى غرائزه ودوافعه النفسية , وفى غريزة الاجتماع .

     وقوام الأمر بين الطرفين أن الفرد موجود والنوع موجود , وأن صلاح النوع فى الانتفاع بمزايا الأفراد , وأن صلاح الفرد فى الاعتراف بغرائزه النوعية وعلاقاته الإنسانية .

     فإذا كان ما تقدم هو الجانب الاجتماعى النفسانى فى المذاهب الوجودية على تعددها وتفرقها , فإن مدار الجانب الفلسفى يجرى حول البحث القديم فى مبلغ إدراكنا للحقيقة بحواسنا وعقولنا .

     هل نحن نعرف الوجود بالحواس والعقول , أم أن وراء ذلك فيما يطرح العقاد ـ حقائق الأشياء فى ذواتها .. لا تدركها الحواس ولا تنفذ إليها العقول ؟

الفوضوية والوجودية

     ختم العقاد حديثه عن الوجودية , بفصل كتبه عن الفوضوية والوجودية , أجابةً على سؤال أتاه من طالب بقسم التاريخ بآداب القاهرة , أومأ إلى نجابته , وأبدى أنه أصاب فى تسمية كل من الفوضوية والوجودية بأنها « حركة » لا مذهب , وصواب تفرقته بين الحركتين أن إحداهما سياسية وهى الفوضوية , والأخرى أخلاقية أدبية وهى الوجودية , أما ما قد يبدو بين الحركتين من توافق فهو عرضى , وخلافهما أصيل , فالفوضوية الشيوعية وهى أكبر حركات الفوضوية , تخرج الفرد من حسابها وتكاد تمحوه , بينما الوجودية فى ناحية من أهم نواحيها هى احتجاج على الفوضوية كلها والفوضوية الشيوعية قبل غيرها .

     ويستطرد الأستاذ العقاد , فينبه إلى أن الفوضوية لا تنكر النظام , وإنما تنكر « التسلط » , وأنها لا تدعو إلى القتل على خلاف الشائع الذى يجرى مجرى الإشاعات التى لا تصدق إلاَّ على نفر قليل من الفوضويين ولا تصدق على الحركة ذاتها , وان « كروبتكين » أحد أقطابها أنكر مبدأ الاغتيال السياسى فى مقال كتبه لدائرة المعارف البريطانية , وأضاف أن الحركة لا تنكر الاعتقاد , أو الديانة , وإنما ينكر الفوضويون الديانات التى يتخذها المتسلطون ذريعة للسيطرة على الضعفاء .

     على أن الوجودية ـ فيما يقول العقاد ـ أشد اضطرابًا من الاضطراب فى قواعد الفوضوية , لأنها وجوديات عديدة لا وجودية واحدة , وعند العقاد أنه لا بأس من الوجودية إذا كان معناها إنصاف الضمير الفردى وتقديس الإنسان المستقل بفكره وخلقه , فالجماعة المثلى فى نظره هى التى تهىء للفرد غاية ما يستطاع من الكرامة والاستقلال .

     أما الوجودية التى تؤمن بوجود الفرد لينسى واجبه ولا يذكر إلاَّ هواه , فليست فى الحق إلاَّ عدمية باسمها وفعلها , وهى من المفارقات والأغاليط بالنسبة إلى الآحاد وإلى الأنواع والجماعات على السواء .               ( يتبع )

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *