فى مدينة العـقاد أفيون الشعوب ـ المذاهب الهدامة ـــ (122)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال الإسبوعى

الوجودية أو الوجدانية

     الوجودية كلمة منسوبة إلى الوجود ، ولكن لا يفهم منها بالبداهة أن المراد هو الوجود المطلق ، فكل الجمادات والحيوانات موجودة ، ولكن غيرها هو الذى يحس وجودها ويسبغ عليها صفة الموجودات .

     والإنسان على كونه مخلوقًا حيًّا عاقلاً ، فإنه قد يكون موجودًا بالنسبة إلى غيره لا بالنسبة إلى نفسه ، وفى مثل هذه الحالة يكون حكمه فى وجوده كحكم الحجر أو غيره من الجمادات والحيوان .

     ويتساءل العقاد . هل نفهم من هذا أن الوجودية إذن منسوبة إلى الحياة ؟

     ليس هذا هو المقصود بالمعنى الفلسفى للوجودية ، فالوجودية لا تعنى مطلق الوجود ولا مطلق الحياة ، ولكنها تعنى أن يهتدى الإنسان إلى وجوده بنفسه ، وأن يكون موجودًا بالنسبة إلى نفسه ، وأن يسبر غور وجدانه ويستجمع نقائصه فى وحدة شاملة تمضى إلى اتجاه متناسق لا تنازع فيه ، وأن يكون بهذه المثابة موجودًا لا يتكرر ولا يتعدد ، وهو فى امتناع تكراره أحرى من « الكف » التى يمتنع تكرارها بين إنسانين اثنين بالغًا ما بلغ التقارب بينهما .

     فكيف إذن نهتدى إلى هذا الوجود فنعرف به أنفسنا ، كما نعرف به مدى العلاقة بين وجودنا وهذا الوجود العظيم المحيط بنا وبكل كائن ؟

     لا مجال لهذا الاهتداء بالتحليل النفسى ، ولا بالأخلاق المقررة وأصول الآداب المتعارف عليها ، وإنما نهتدى إلى وجودنا بثورة فى أعماق هذا الوجود : نهتدى إليه بصدمة فى عاطفة قوية ، أو بيقظة من يقظات الضمير ، أو بضربة من ضربات التجارب تفصلنا عن المجتمع الذى نعيش فيه . نهتدى إليه بمحنة تردنا إلى أغوار حياتنا وتطيل بحثنا فى سراديبها وزوايا ، وتضع أيدينا على ميزان شعورنا وتفكيرنا وخيالنا ، فنعرف كم تزن وماذا نستطيع .

   مؤسس هذا المذهب هو الدنماركى « سورين كركجرد Soren Kierkagard » ، ولد فى عام 1893 وتوفى فى الثالثة والأربعين ، وحياته نفسها تبرر مذهبه ، فقد صدمته الصدمة التى تضطر الإنسان إلى الاختيار فى مقتبل الشباب ، حين تركته محبوبته واقترنت بغيره ، وتبين له وهو فى الثامنة عشرة أنه لم يخلق للصلة الجنسية المثمرة ، فقرر المتجه الذى يتجه إليه عند مفترق الطرق ، وهو الاختيار الذى عناه فى كتابه الباكر المسمى « إما . أو » ، وفحواه : « إما أن تجد نفسك أو تفقدها كل الفقدان » .

     وقد اختار « كركجرد » وجوده ، فاختار أن يعيش على سنة السيد المسيح فى هذه الدنيا التى لا تجتمع فيها القداسة والوجاهة ، واتخذ شعاره أن لا يخدم سيدين ، بل سيدًا واحدًا ، إقتداءً بالسيد المسيح عليه السلام .

     وكانت أطوار هذه الفيلسوف غريبة ، وأسلوبه فى الكتابة وفى التعبير أغرب ، وكان المذهب الشائع فى شبابه هو مذهب « هيجل » الفيلسوف الألمانى الكبير ، وخلاصته أن الكون كله هو مرآة « الكائن الأبدى المطلق » ، وأن هذا الكائن الأبدى المطلق تجلى فى الموجودات جميعًا وبلغ أقصى مراتب التجلى وعرفان الذات فى الإنسان .. فالإنسان إذن هو صورة العقل الإلهى فى أرفع مظاهر الوجود .

     وقد حمل « كركجرد » على مذهب « هيجل » حملة تعد من أعنف ما تعرض له ، لأنه يرتفع بالصورة الإلهية عن هذه الصورة الإنسانية ، ويؤمن بأن الوجود الإنسانى على عكس ذلك هو الذى يتسامى إلى عرش الله ، فلا يسمو إلى مرتبة أعلى وأشرف من أن يحب الله ويشعر بحب الله إياه . وفى اعتقاده أن كل إنسان محبوب من الله ، ولكن الفرق بين إنسان وآخر هو الفرق بين من يشعر بهذا الحب الإلهى ومن لا يشعر به ، لأنه غارق أو مستغرق فى ألوان أخرى من الحب أو من العلاقة ، كالطمع والهوى أو علاقات القرابات .

     وغنى من البيان أن « كركجرد » يتدين على سنة فى الدين غير سنة العرف المتفق عليه ، لأنه يؤمن بأن حق الفرد فى اختيار عقيدته أعظم من حق الكنيسة وحق الجماعة ، ويؤمن بأن وجود الفرد « وحدة » غير قابلة للتكرار .

     ويرى الأستاذ العقاد أن مكان « كركجرد » أقرب للمتعبدين ذوى الشاعرية من مكانه بين كبار الفلاسفة ، لأنه كان فى نظره حساسًا ثاقب الذكاء عميق الوجدان ، ولم يكن من أصحاب العارضة القوية والفكر الواسع المحيط بآفاق القضايا العظمى .

     فلا جرم كان يفصل بين العقيدة والمعرفة ، ويعتبر أن التعمق فى الوجود ممكن بغير التعمق فى الوعى المفكر والمنطق السديد .

*         *           *

       على أن الوجودية التى بدأت بكركجرد ، لم تنته إلى الوقفة التى وقف عندها واستقر عليها فى حياته القصيرة . فقد سرى هذا المذهب ـ فيما يضيف العقاد ـ إلى البلاد الألمانية ، وتجدد نشاطه فى أعقاب هزيمة الألمان فى الحرب العالمية الأولى ، فقد جنحت هذه الهزيمة بالبعض إلى العقائد المادية ، وبالبعض إلى التنفيس عن ضمائرهم بنزعة من النزعات الروحية أو الوجدانية . واشتهر من فلاسفة المذهب أعلام نابهون مثل « كرل جسبرز » و« أدموند هوسيرل » و « مارتن هيدجار » و « دلثى » و« زيمل » الذى مات قبل سنوات من تأليف كتاب العقاد .

     ويضيف الأستاذ العقاد أنه قد اتسعت أطراف المذهب حتى وجد فيه من يؤمن إيمان « كركجرد » ، ومن ينكر وجود الله ولا يرى فى الكون ظاهرة إلهية على الإطلاق ، وإن التقى هؤلاء وأولاء فى بعض المسائل المتشابهة التى لا تخفى صلتها بالوجودية فى جوهرها الصميم .

     فجميع الفلاسفة الوجوديين قليلو التعويل على « معنى عقلى » يفسرون به الحياة ، وجميعهم معتصمون بتجارب النفس ودوافع السريرة التى تستقل بها الشخصية الإنسانية فى جهادها الباطن ، ونزوعها الدائم نحو التوفيق بينها وبين مشكلات الوجود الكبرى .

     وظهر المبدأ بعد سنوات قليلة فى فرنسا ، واشتغلت به الطبقة التى بلغت من الثقافة والذوق الفنى أن تبحث لنفسها عن فلسفة للوجود تملأ بها فراغ الضمائر من العقائد الروحانية فى العصر الحديث .

     ولكن الوجودية بقيت فى فرنسا بدعة مقصورة على فئة قليلة من طلاب الغرائب ، إلى أن منيت فرنسا بالهزيمة النكراء فى الحرب العالمية الثانية ، فثارت على المادية الشيوعية وعلى الروحانية التقليدية ، واندفعت بين الطبقة الوسطى دفعة جامحة إلى الإيمان بالحرية الديمقراطية . وكان من أعلام هذه المدرسة « جان بول سارتر » ، و« ألبرت كاموس » ، و« سومون دى بوفوار » ، ويتبعهم طائفة غير قليلة من الكتاب الصحفيين .

       والوجودية التى تتمثل فى كتابة « سارتر » هى وجودية الفخر بالألم والشدة ، واعتماد النفس على النفس فى اختيار الطريق المرتسم لها فى أعماق سريرتها ، ولو كان اختيارها مناقضًا لاختيار المقادير .

     والوجودية فى كتابة « كاموس » هى وجودية الاطمئنان إلى عبث الحياة ، وعنده أن الإنسان عىٌّ فى هذه الدنيا شبيه ببطل الأسطورة الإغريقية « سيسفوس » ، وتضرب « سومون دى بوقوار » على نغمة كهذه النغمة ، وتزيد عليها شيئًا من الغلواء والتكلف واتخاذ الأوضاع التى تتخذ فى التمثيل .

     وعلى ذلك ففى الوجودية فى فرنسا ـ بعد الحرب العالمية الثانية ـ النزعة الوجدانية ، وفيها الإيمان بالحرية الفردية ، وفيها أيضا التمرد على سلطان الكهانة وسلطان الرياسة ، ولم يكن غريبًا أن تروج بين الفرنسيين بعد تلك الحرب ـ عقيدة تجمع هذه النزعات فى نسق واحد .

     ويخلص الأستاذ العقاد إلى أنه يمكن القول إن فلسفة « هيجل » قد تمخضت عن أخوين شقيقين يجمعان نقائض الأسرة كلها فى طرفين متقابلين : (1) المادية الاجتماعية أو المادية الثنائية كما شرحتها الشيوعية الماركسية و(2) والوجودية أو الوجدانية حسبما تسلست من مذهب « كركجرد » ، وهذه الوجدانية هى معسكر الوجدان والحرية الفردية قبالة معسكر المادية والجماعة العمياء .

       وقد كان لا بد لهذه المعركة من قرار .

 ( يتبع )

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *