فى مدينة العـقاد أفيون الشعوب ـ المذاهب الهدامة ـــ (121)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

الأدب والمبادىء الهدامة

     فى فصل عن الأدب والمذاهب الهدامة ، عرض العقاد للأدب على كافة تعريفاته ، ومرجعيات توصيفه ، ليلاحظ أنه رغم أننا عرفنا الأدب الشعبى بمصر سبعة قرون متتالية ، فإننا لم نعرف فيه الشروط والموانع التى يضعها أصحاب الفروض والتعريفات والتوصيفات ، ولم نعرف له صيغة عامة غير « الصيغة الإنسانية » التى تعم جميع الطبقات فى جميع الأوقات .

     لقد دار الأدب الشعبى فى تلك القرون على ملاحم أبى زيد الهلالى والزناتى خليفة والزير سالم وسيف بن ذى يزن وغيرهم من أبطال هذا الطراز ، وبقيت قصص هذه الملاحم على نسختها الأولى فى تلك القرون التى اختلفت فيها الهيئات الحاكمة من الدولة الفاطمية إلى الأيوبية إلى دولة المماليك إلى الدولة العلوية ، واختلفت فيها الأحوال الاقتصادية وغيرها ، ومع ذلك بقى غرام الشعب بهذه الملاحم ـ على حالها ـ حقيقة واقعة ، مع أنها كانت دائرة على البطولة والغزل ولم تكن دائرة على الرغيف والفول المدمس !

     فمن الذى أكره الشعب على طلب تلك المعانى المجدول فيها هذه الملاحم والإعراض عما عداها ؟

     جواب واحد يراه العقاد ، هو « شعور الإنسان » ، فالشعب إنسان قبل كل شىء ، ونفس الإنسان تهتز فى كل زمان لأريحية البطولة والغزل ، وتجرى فى ذلك على سنة الحياة التى لا سنة غيرها للأدب والفن ، كيفما اختلفت الطبقة الحاكمة ، واختلفت أحوال المعيشة ، واختلف الناظمون والمستمعون .

     كان الشعب يستمع إلى هذه الملاحم وهو موفور ناعم بالرخاء والسلام ، ويستمع إليها وهو تحت وطأة المجاعة أو الوباء ، ولم يكن من هم أحد ولا فى مقدوره أن يوجه الأدب الشعبى إلى هذه الوجهة أو تلك .

     فى فترة ما ، توارت ملاحم أبى زيد وغيرها ، وخلفتها بطولة « رعاة البقر » فى البرارى الأمريكية ، أو خلفتها بطولة « العصابات » فى المدن الكبرى ، ولم تكن لرعاة البقر ولا للعصابات دولة تروج الدعوة لها فى وادى النيل ، ولم يكن إقبال الشعب على هذه الصور بعد تلك الملاحم لأنه « تأمرك » بعد أن تعرب ، وإنما حلت دور الصور المتحركة محل المقهى البلدى ، وبقى حب البطولة والغزل كما كان ، لأنه حياة يفهمها الحى كائنا ما كان الكاتبون والقائلون والممثلون .

     ماذا يريد العقاد أن يقول ؟

     تدرك مرماه حين يسجل أن أحدًا لم يكن أشد على الشعب قسوة , من هؤلاء الذين يزعمون الغيرة على الشعب , ولكنهم يجمعون عليه بين الحرمان من المال والحرمان من الشعور !

     أفظع وأشد قسوة من الحرمان من المال أو مناعم العيش ـ الحرمان من الشعور الإنسانى , وفرض ما يخالف هذا الشعور بتعلة المذاهب ودرء الفقر . وقد كان أجهل الجاهلين من المستمعين إلى ملاحم الهلالى والزير سالم ـ كان إنسانًا أكرم من هؤلاء « التقدميين » اللذين يرسمون للأدب طريقه وللحياة طريقها ! بينما هم عالة على الأدب وعلى الحياة !

     سيعاد تعريف الأدب على ألف صورة : اجتماعية أو اقتصادية أو حركية أو سكونية , ولكن الأدب لن يمتنع بذلك عن موضوع , ولن ينقطع لموضوع , ولن يكون أدبًا ما لم يكن له نصيب من « شعور الإنسان » .

     هذه هى الرسالة التى أراد العقاد توجيهها لمن يريدون توظيف الأدب لخدمة المبادئ الهدامة .

الوجودية

   يقر العقاد بأن الوجودية فى أساسها مذهب محترم مقبول , أو مذاهب محترمة مقبولة , استدعاها زحف المذاهب الهدامة التى تلغى « وجود » الفرد واستقلاله فى غمار كل جماعة ينتمى إليها , ولتحفظ للفرد كيانه واستقلاله . ولكن هذه الوجودية قد تنحدر مع المنحدرين بطبائعهم حتى تصبح ضربًا من العدمية أو ضربًا من الإباحية التى لا تعترف بشئ غير شهوات الفرد ودوافع الأثرة والأنانية .

     على هذا الضرب من الوجودية التى تستحق اسم « العدمية » , يأتى اعتراض العقاد . وهذه العدمية ـ فيما يقول ـ هى التى سخر منها فيلسوف العصر برتراند راسل فى كتابه عن الكوابيس , ووضع على لسانها نشيدًا ترجمه العقاد إلى العربية , ختامه : « أنت لست بضائع . أنت عدم . أنت غير موجود ! » .

     بعبارة النشيد الساخرة , يصور « راسل » الوجودية بأنها « الكابوس » الراكب على أنفاس « وجود الموجود » ليثبت مذهبه ( العدمى ) !

     ينطلق هذا المذهب من أن الألم والخجل يخلقان الشعور فى الضمير ، فالضمير موجود وصاحبة غير معدوم ، ومن تجارب ـ أو ممارسات ـ هذا الكابوس ، أنه يبتلى « الوجودى » بالتعذيب فى معسكرات النازية ، ويجيعه فى روسيا ، أو يدخله فى الشيوعية الصينية ليتهم فتاة بريئة مخلصة بتهمة الخيانة والجاسوسية ، لعله يشعر بالخجل وتبكيت الضمير فينسب نفسه إلى الوجود !

     هذه صورة من الوجودية الممسوخة ترادفها صورة أخرى على شاكلتها فى المسخ والضلالة ، وقوامها أن الفرد موجود والنوع الإنسانى وهم ليس له وجود ، أو كما يقولون فى مصطلحهم إن « الوجود سابق للماهية » ، وإن الإنسانية التى هى « ماهية » الإنسان كلمة على اللسان . وليس لها حق عليه لأنه هو مصدر الحق كله ومرجع الواجب كله فيما يختلج فيه من شعور الأنانية والانفراد بالذات !

( يتبع )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *