فى مدينة العـقاد أفيون الشعوب ـ المذاهب الهدامة ـــ (120)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

   عطف الأستاذ العقاد على « الشيوعية والإسلام » ، فبدأ بأن مذهب ماركس المسمى بالمادية التاريخية أو المادية الثنائية الحوارية ، وتصدق عليه كلمة « الشيوعية » لأنها ترجمة لما انتهى إليه المذهب من إباحة كل شىء على الشيوع أو بالمشاع ـ هذا المذهب ينكر الأديان جميعها ويكفر بجميع الأنبياء والرسل ، ولا يترك ذلك للاستنتاج ، وإنما يصرح به بلا مواربة .

   وفى مبدأ الثورة البلشفية ، حاربوا المسيحية والإسلام واليهودية والصهيونية ـ حربًا عنيفة ، ودأبوا على معاداتها جميعا وتعطيلها إلى أيام الحرب العالمية الثانية التى اضطرتهم إلى الاعتراف بقوة الدين فى تثبيت العزائم وخوض الأخطار ، فاضطروا لمصالحة رجال الدين ومعاهدتهم على تبادل المعونة ، بيد أنه حينما بدا للماركسيين أن الشعب الروسى يثوب إلى التدين ويندفع إلى دور العبادة ، عاد الماركسيون إلى تجديد حملتهم العنيفة على الأديان ، مع تنشيط إدارة المتحف الذى كانوا قد أنشأوه باسم « متحف الدين والإلحاد » .

     ولم تصبر الشيوعية على الإسلام بالصبر الذى تعاملت به مع المسيحية ، حداها إلى ذلك أن المسيحية تدع شئون الدولة للدولة ولا تتعرض للنظم الاجتماعية . أما الإسلام فاندفعوا فى معاداته لأنه نظام اجتماعى له منهجه فى علاج المسائل التى تتصدى لها الشيوعية ، كمشكلة الفقر ، وحظر الاحتكار ورفضه أن تكون الأموال « دولة بين الأغنياء » ، ودفع المظالم والشرور ، مع تقديس الحرية ورفض المذلة والاستعباد . ولذلك لم يكن غريبا على أغراض الشيوعية وصف الإسلام بالرجعية فى دائرة المعارف الشيوعية ، ومحاربته بكل الوسائل الظاهرة والخفية .

     والمسلمون التابعون للحكومات الشيوعية المنضوية فى الاتحاد السوفييتى يعلمون تمام العلم عداوة الشيوعية لدينهم ، ولذلك شاهدنا الآن ـ منذ تسعينيات القرن الماضى ـ كيف سارعت هذه الحكومات للاستقلال بالخروج من الرابطة ومن فلك الاتحاد .

   ويستطرد الأستاذ العقاد إلى بيان أن كلام الشيوعية المكتوب يكشف عما تحاول الدعوة الشيوعية ستره والمغالطة فيه بشأن معاداة الإسلام ، فقد حرَّموا على المسلمين فى حوزة الشيوعية « كل رابطة » يرتبطون بها غير قيود الحكم الروسى وثقافة اللغة الروسية ، فلا جامعة إسلامية ، ولا جامعة طورانية ، ولا قراءة للغة العربية ، ومن يشتغل بشىء من ذلك يسارعون إلى اتهامه فى إخلاصه للدولة ويعاملونه معاملة الجواسيس المتآمرين على الثورة .

     وبعد إيراد الأدلة من واقع صحف الدولة الشيوعية ، انتقل الأستاذ العقاد إلى إيضاح أن عداوة الشيوعية للإسلام « عداوات متكررة » ، ولأسباب متعددة ، فى مقدمتها الخوف من منافسته فى تنظيم المجتمع على قواعده وأحكامه ، وللشعور بالخطر والإفلاس على أثر إخفاق التجارب الماركسية واحدة بعد الأخرى .

   فمع هذه الإخفاقات ، شعر أقطاب الشيوعيين بتقدم الإسلام وتقهقر المادية الماركسية ، وهم يعلمون أن النزاع المقبل إنما هو نزاع بين ما يسمونه « الايديولوجى » الماركسى و« الايدلوجى » الإسلامى . إذ ليست الديمقراطية دينًا ينازع الشيوعية ، وغايتها أنها دعوة مانعة لسوء الحكم ، دون تطبيق إيجابى ـ بعكس الإسلام الذى له رسالة فى تطبيق الإصلاح الاجتماعى وفى الاستجابة لمطالب الروح بالتوفيق مع مقتضيات العلم الحديث ، ولذلك كانت حرب الشيوعية للإسلام حرب حياة أو موت .

     ويذكر الأستاذ العقاد ، فى حديث مضاف عن « القرم الإسلامية والمذاهب الهدامة » ـ أن كارل ماركس إمام الشيوعية ، من « سلالة إسرائيلية » ، وكان أجداده لأبيه وأمة كهانًا متعصبين لهذه العقيدة ، مغالين فى رعاية شعائرها ، ولكن أباه ارتد عن اليهودية إلى المسيحية على غير اعتقاد وإنما من باب التقية ، ومن باب الاحتيال للكسب والحصول على الوظائف العامة .

     ويتبين من تاريخ المذاهب الهدامة ، أنها تعتبر هذا الاتجار بالضمائر وسيلة من وسائلها المشروعة لخدمة المطامع الشخصية أو الخدمة السياسية العامة فى الدولة . والذى يهم من ذلك فى تعقيب العقاد ـ أن الزعماء الماركسيين الذين هدموا المعابد والمساجد واعتقلوا القساوسة والرهبان بجزيرة « سفيتسكى » الجهنمية ، واتخذوا من الصلاة شبهة تثبت على صاحبها الخيانة والتآمر على الدولة ـ قد عادوا فى إبان الحرب العالمية الثانية تحت تعلّة الحاجة التى طرأت لهم ـ عادوا إلى إثارة النخوة فى جنودهم ووجدوا أن المبادئ الشيوعية هى التى خدرتهم وأماتت فيهم الهمة والشجاعة ، وأن الدين الذى أطلقوا عليه « أفيون الشعوب » هو الكفيل بإثارة النخوة وانبعاث الهمة ، فعادوا من ثم إلى تملق رجال الدين واسترضائهم ، وأذاع « ستالين » فى 4سبتمبر 1943 بلاغًا يقول فيه نصًّا : « إن الحزب الشيوعى لا يسعه بعد ما بدا من وطنية رجال الدين فى صفوف القتال ـ لا يسعه أن يحرم الروسيين بعد الآن من حرية الضمير أو حرية الاعتقاد .. » .

     بيد أن ذلك لم يكن إلاَّ خداعًا ، لم ينخدع به أحد ، وإنما حل بالشعوب الإسلامية القسط الأوفر من الاضطهاد بجميع أنواعه وألوانه ، ومن يطالع كتاب « كارثة القرم » سيرى طرفًا من تلك الفظائع الوحشية التى حلت بالمسلمين لمجرد أنهم يدينون بشريعتهم ولا يدينون بالشريعة الماركسية ! وهذه انتكاسة فرضتها الشيوعية ، تستوجب إنقاذ البشرية من ذلك البلاء .

( يتبع )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *