فى مدينة العـقاد أفيون الشعوب ـ المذاهب الهدامة ـــ (119)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

   بعد فصل استكمل فيه العقاد حديثه عن الأخطار المحدقة بالناشئة والجيل الجديد من الدعوة إلى هذه المبادئ الهدامة ، انتقل للحديث عن العائلة والوطن والدين ، منوِّهًا إلى أننا لو نزعنا من تاريخ الإنسان كل ما استفاده من تكوين العائلة والوطن والدين ، لما بقى من الإنسان المتحضر أثر . فالفارق الأكبر بين أبناء الحضارة وبين الهمج ، أو الوحوش ، هو الألفة بين الناس فى وطنهم ، والهداية التى استمدها الإنسان من شرائع الوطن وآداب الدين .

     ومن تعاسة المذاهب الهدامة ، الداعية إلى الفوضى والفساد ، أنها تهدم كل دعامة من هذه الدعائم ، زاعمةً أن الخير فى نقضها ومحو آثارها ومعاداة الماضى بأسره .

     ولو كان معنى التقدم الذى يتشدقون به أن يهدم الناس كل ما بنته الإنسانية ، لوجب أن نلغى ما تعلمناه واستفدناه من صناعاتها فى جميع المجالات . ولكن دعاة الهدم يتحاشون الإفصاح عن هذه الحماقة ، ويسعون لمداراتها ، بإخفاء أثر دعوتهم على هدم العائلة وكل ما أنتجته فى أصول الاجتماع والأخلاق وعلاقات التعاون والتكافل ، والرحمة والحرية والعزة والتراحم بين الأجيال ، ورعاية الشباب للشيوخ ، وتقفز المذاهب الهدامة على كل هذه المعانى والآثار لتدعى أنها تحصر همِّها فى نظام التوريث ، وترى إلغاءه بلا فهم ولا إدراك لتوابع هذا الإلغاء الضرير .

     تدعى هذه المذاهب أن الوطن للغنى وحده وأنه لا وطن للفقير ، وأن الغرض من قوة الوطن هو حماية الدولة التى يسيطر عليها الأغنياء ، وأنه لا حساب للفقراء ، وتتجاهل ما تحض عليها الأديان المدعو إلى هجرها بدورها ـ من مبادئ الإنسانية والتراحم والتكافل والعدل والتعاون .

     إن اقتران الوطنية ببعض الشرور والأخطاء ، وعدم خلو الحياة منها ، لا يعنى إلغاء الحياة أو فض الوطنية وإلغائها !

     لا يمكن أن يسعى للإصلاح ، بل هو يؤدى إلى الهدم ، من يتعقب بالإزالة كل أثر من آثار الحضارة الإنسانية ، ويستدير على العقائد والأديان ليبطلها ، ويستدير على العائلة لتمزيقها ، وعلى الوطن لازدرائه وتدنيسه !

     ليس معنى اشتمال العقائد الإنسانية فى العصور الماضية على بعض الملصقات أو الخرافات أو الأباطيل ، أن نقتلع الأديان ونحض على ازدرائها بدلاً من التنوير ورفع الملصقات والخرافات عنها . هدم الأديان مؤداه أن تكون الإنسانية بلا سقف ، والدعوة إلى ذلك كالدعوة لتحريم الطعام من الأساس بزعم وجود سوء فى التغذية !

العمال والماركسية

     إن تاريخ الإنسانية هو تاريخ النوع الإنسانى كله ، معاداته معاداة للنوع الإنسانى وللإنسانية ، وقريب من هذا العبث تصوير الحكومة الماركسية بأنها حكومة العمال والصناع ، وأنها تنصفهم من الأغنياء ، وتجعلهم أصحاب السلطة فى الحكومة ، وأن نقابات العمال هى الموكول إليها مهام النظر فى مصالح الطبقات العاملة ، وأن العامل ـ بإيجاز ـ هو الحاكم المتصرف فى الدولة الشيوعية .

     والغريب اللافت أن أتباع كارل ماركس يكرهون التعويل على النقابات ، ويرون أنه معطل للحركة الشيوعية التى يبشرون بها ، ويرون أن التعويل على « النقابية » هو مذهب النقابيين والسندكاليين الذي يخالفون الشيوعية فى الوسائل والغايات وينكرون الاعتماد على الحكومات جميعًا بغير تفرقة بين الحكومة الموقوتة والحكومة الدائمة ، ومن ثم فإن الواجب فى مذهب الماركسيين أن ينظروا إلى نقابات العمال بعين الشك والحذر ، وأن يحولوا بينها وبين السلطة الفعالة فى إدارة الدواوين الحكومية خوفًا من أن تتغلب سلطة النقابة على سلطة الحزب .

     ومن كلام « لينين » قبل الثورة الروسية ، أن جماعات العمال ، أو نقاباتهم قد تتنافس فيما بينها ، وتلجأ فى تنافسها إلى المزايدة فى إنقاص الأجور أو المزايدة فى ساعات العمل ، ومن ثم يجب أن تكون سلطة الحزب غالبة على النقابات جميعًا ، وأن يكون الرأى الأعلى للسلطة السياسية التى تتولى شئون الدولة .

     أما الجماعات أو اللجان التى يسمونها بالسوفييت ، فليست مؤلفة من العمال والصناع كما قد يخطر على البال ، وإنما هى جماعات مختلطة من المديرين والمشرفين على المصانع والقائمين بتنفيذ المشروعات الاقتصادية ، ومعهم بعض الصناع والعمال اليدويين ممن لا صوت لهم فى أمثال هذه الاجتماعات ، أى أن هذه الجماعات بعبارة أخرى صورة مما يُسمى « لجنة الفابريقة » أو « لجنة إدارة المصنع » ، وهى أشبه ما تكون بمجلس الإدارة فى المصانع الأوروبية التى تخضع لنظام رأس المال .

     والخلاصة أن العمال والصناع تابعون فى هذا المذهب للسلطة السياسية ولكبار موظفى الدولة ، ومسخرون لنظام الإنتاج الذى يفرضه عليهم السياسيون وأصحاب الشأن فى الحكومات .

       ويذكر الأستاذ العقاد أنه إلى زمن قريب لا يتجاوز بضع سنوات ، كانت النقابات مقسمة على حسب الصناعات ، كصناعة الفحم أو الحديد أو المنسوجات ..الخ . فلكل منها نقابة ، ومن عيوب ذلك أنها لا يمكن مع هذا التعدد أن تجتمع على كلمة واحدة .

       وقبل ثلاث سنوات من تأليف العقاد كتابه عن أفيون الشعوب والمذاهب الهدامة ، اختار السياسيون الماركسيون نظامًا يسمح للنقابات المتفرقة فى كل مدينة أو إقليم بالاتحاد فى الإدارة والتدبير ، كأن يجتمع عمال الحديد وعمال النسيج وعمال الفحم فى المدينة الواحدة أو الإقليم الواحد ، ليتشاوروا ويتداولوا فى شئون هذه الصناعات ، وقد يؤدى ذلك إلى صدور قرار لعمال الحديد يختلف عما قرره زملاؤهم فى بلد آخر ، فتتفرق الكلمة وينفرط العقد خلاف الظاهر الخادع . وهذه حيلة نظامية تركت لسلطان السياسيين أن يهيمن على شئون العمال والصناعات كما يشاءون . فبقى من ثم سلطان السياسة كما كان ، وبقيت هناك طبقة حاكمة لها خطة تحمى بها وجودها وتحفظ نفوذها ، ولو لم يكن ذلك فى منفعة العمال والصناع الذين يزعم الماركسيون أن حكومتهم حكومة عمال !          ( يتبع )

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *