فى مدينة العـقاد أفيون الشعوب ـ المذاهب الهدامة ـــ (118)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

تشترك جميع المذاهب والدعوات , فى إبداء أن غايتها الخير والإصلاح , بيد أن المهم فى المصداقية ليس فى الكلام وإنما فى السلوك والأفعال والنتائج . فهل صدقت الشيوعية وصدقت المذاهب الأخرى المعنية فى هذا الادعاء ؟! إن ما تفعله مناقض لطبيعة الإصلاح , ولا يبدو من ثم أنه يسعى إليه .

     فالماركسية تناقض الإصلاح بطبيعتها , وتعطل الحركات المصلحة , وتضيع جهود الأمم بدلاً من تكريسها ودعمها .. وأولى الأثافى فى هذه الإضاعة أنها تتناسى أن الأمم تتفاوت فى الطبائع والملل , وفى الخصائص والظروف , وفى عللها وأسباب الشكوى .. والماركسية تصادر على تقدير كل أمة لظروفها وأوضاعها , وعلى استفادتها من تجاربها , وتفرض عليها ما لا يتفق مع أوضاعها ومصالحها ..

     والتصدى للعلاج دون معرفة دوائه , يوصف بالدجل فى مهنة تعاطى الطب , وهذا هو الوصف الصحيح لكل من يتعاطى السياسة ويلغو فيها وينسف مصالح الشعوب والأوطان . وهكذا تفعل الماركسية أو الشيوعية .. فلا هى تعالج الأمم من أسقامها , ولا هى تتركها لاختيار دوائها من واقع ظروفها وتجربتها . وظنى أن الأستاذ العقاد لو عاش حتى يومنا الآن , لوجد موادًا خصبة تؤيد منطقه فيما رأيناه يجرى فى الكتلة الشيوعية وما كان يفرض عليها , حتى بدأت فى الخروج من ربقة ما هى فيه مع حركة البروسترويكا منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضى !

     من رأى العقاد أن افتراض نجاح الشيوعية يوما , لن يدارى أن مقاييس الأخلاق ستهبط بها بعد نجاحها , لأنها لم ولا تتخذ الوسائل الناجعة فى تعليم العفة والأنفة والامتناع عن السرقة , ولا تعلم ترك الظلم برًّا بالضعيف وبمبادئ العدل والكرامة , ولا تعلم الامتناع عن الفساد وصيانةً للأعراض .. هى لا تعلم الناس الفضيلة , وكل ما عندها تجريد اللص من السلاح وإخلاء الصندوق من المال .. ولن يقوم مجتمع قط على هذه الخلائق السلبية ..

     بل إن صلاح العقل ذاته مهدد فى النظام الشيوعى , لأنه مفروض عليه أن يوافق المبادئ الشيوعية , وأن يتوقف عن التفكير , ومحظور على مبادئ الشيوعية أن تراجع نفسها لتتوافق هى مع العقل ومقتضيات العلم والمنطق . فالعلم عندهم لا ينبغى أن يكون إلاَّ علما شيوعيًّا , ويعلنون ذلك فى كتبهم وخطبهم وكلام زعمائهم وعلمائهم الذين يجأرون بعبارات يوردها الأستاذ العقاد للتدليل على صدق وصواب نعيه عليهم .

     إن الحياة الإنسانية كثيرة النقائص والعيوب , وفى حاجة دائمة إلى العلاج والإصلاح , والمذاهب الاجتماعية التى تدعو إلى إصلاحها كثيرة ومتنوعة , ولكننا لن نهتدى إلى شىء نافع من مذاهب تعطل الإصلاح وتعوق المصلحين .

الدعوات الهدامة والناشئة

     ومذهب ماركس المشهور بالاشتراكية العلمية , فى مقدمة المذاهب التى تهدم ما بنته الإنسانية فى تاريخها الطويل , لأنه يبيح لكل طبقة أن تهدم ما بنته الطبقة أو الطبقات التى تقدمتها , دون أن تعى أن العلم لا يمكن أن يحتكره فرد واحد , ولا أن يصادر على حقائق التاريخ كلها , ناهيك عن إساغته الدعوة إلى ما لا يسوغ ولا يقبله عاقل .

     وهذا هو ما يزعمه كارل ماركس ويدعيه , زاعمًا أن دعوته أحاطت بأسرار المادة والحياة , وأسرار التاريخ والاجتماع , وأنه واجب على الناس جميعًا أن ينصاعوا لحكمته البالغة وأن يدينوا بفلسفته ويهدموا عالمهم كله بأيديهم نزولاً على أوامر المعصوم !

     تنحل دعوة ماركس إلى تخريب المجتمعات , فذلك هو المعنى المستفاد من دعوته إلى أتباعه : « اضربوها فليس عندكم ما تفقدونه فيها !! » , ولا يمكن لليأس والقنوط أن يكون دعوة خير وفلاح , حتى وإن صدرت عن القانط اليأس , لأنها عند ذلك تكون حركة شر لا حركة خير , لا فرق بينها وبين هجمة السباع فى طلب الفريسة فى الغابات !

     هناك كثير من الشبان المتعلمين الذين تروعهم حالة البؤس والفاقة , وهم معذورون إذا أنصتوا لطلاب الهدم والخراب بدعوى أن هذا هو العلاج !

  لا يقول العقاد إن المريض ليس مريضًا , فهو يقر بالمرض , ولكنه يجاهر بأن المتصدى للعلاج ليس طبيبًا , ولا معرفة له بالدواء الذى يصفه , ولا يدرى أنه فى الواقع سم مميت . وهذا خطر على الناشئة الذين يستقبلون السم الناقع على أنه علاج ناجح .

     فلا صواب ولا رجاء فى مذهب يجعل الأطوار التاريخية جميعها مرهونة بالفوارق بين الناس فى المال , وينسى الفوارق التى لا حصر لها بين القوى والضعيف , والذكى والمحروم من الذكاء , والمجتهد والكسول , والطموح والقانع , والنجيب والبليد , وهكذا .. فهذه شئنا أم أبينا فوارق موجودة , وبعضها خارج نطاق القدرة الإنسانية , ومن ثم كان تجاهلها ورد كل شىء إلى فارق المال وحده , غباء محض , ولغو يؤدى إلى لغو وإتلاف وتخريب .

   ولا حق ولا رجاء فى مذهب قوامه اليأس والقنوط , ومحو مسئولية الفرد والإلقاء بكل المسئولية على الأمم والمجتمعات , ولا فى مذهب يجعل النوع الإنسانى وحوشًا ينطلق بعضها على بعض , كما وأنه ليس كل الأغنياء أبالسة وشياطين , وليس كل الفقراء بالملائكة الأخيار .

     ويقر العقاد بأنه يبغض الشيوعية , مع أنه ليس من الأغنياء ولم يكن غنيًّا فى يوم من الأيام , ويرى أن الشيوعية تحجب الرؤية الصحيحة وتحجب الحقيقة عن الفقراء وعن الناشئة والشباب , وتروج لمذهبها بنشر العماء الخادع , ولا يرجى صلاح الإنسانية إلاَّ بالمذاهب التى تبشر بالتعاون والإخاء , وتحض عليهما , لا على إثارة الأحقاد والعداوة والبغضاء !       ( يتبع )

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *