فى مدينة العـقاد أفيون الشعوب ـ المذاهب الهدامة ـــ (117)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال الإسبوعى

بارود لم ينفجر , وطباعة لم تطبع

     يعود العقاد إلى تمسح المذاهب الهدامة بالعلم , فيبدى أنه كان من ذلك تواتر القول بأن اختراع المطبعة واختراع البارود ـ كانا نقطة تحول فى تاريخ الحضارة الحديثة , وأنهما سبب القضاء على دولة الكهانة ودولة الفرسان , ولكن الصواب أنهما كانا أداه التحول أو علامته , وأن الفكرة الإنسانية هى السبب الفعال وراء كل أداة .

     ويتخذ العقاد مما جرى فى تاريخ الصين التى كانت أسبق إلى البارود والمدن التجارية , دليلاً على أن الفكرة الإنسانية هى الأساس , فقد توقفت المطبعة فى الصين عند غايتها الأولى وهى نقش الحرير وغيره من المنسوجات , ولم تكن المطبعة هى القوة الفعالة فى تنبيه النفوس وتوجيه الأفكار . بل كانت الفكرة الإنسانية هى العامل الحاسم والأساس .

     فقد قيل مثلاً إن المطبعة هى التى هدمت سلطان الكهانة , مع أن سلطان الكهانة كان هو « العميل الأكبر » للمطبعة , ولايزال حتى اليوم . نعم كانت المطبعة « نقطة تحول » فى تاريخ الحضارة الإنسانية , ولكن الإنسان هو الذى تحول فَحَوَّلَها وهو الذى طلب الكتابة فأوجد الأداة التى تعطيه الكتاب . فالإنسان هو الذى هدم سلطان الكهانة لا المطبعة .

قدوة غير صالحة

     ومن قبيل القدوة الغير صالحة , الاغترار بمظهر القائل وسحبه على ما يقول , فالعبرة فى المثل السائر بما قيل لا بمن قال , ( إعرف الحق تعرف أهله ) , مع ذلك فإن تمحيص الكلام لا يغنى عن تمحيص المتكلم فى كثير من الأحوال , لاستكشاف نواياه ومدى تجرده من غرضه , أو صدقه من كذبه .

     وسرعان ما يقبل العقاد على تمحيص مسلك كارل ماركس من أقواله ومصكوكاته , وسبر نواياه . فهو يبنى مذهبه على أن « من لا يعمل لا يأكل » , ولكنه كان أبعد ما يكون عن الأمانة فى التزام هذا الشعار , ولو عاش بما كسبه من عمله لما كفاه سنة واحدة على أبعد احتمال . ففى خطاب من أبيه يقول له : « لسوء الحظ أراك تؤيد بسلوكك رأيى الذى كونته عنك , وهو أنك على ما فيك من خصال حسنه ـ أنانى تغلب الأنانية على جميع
صفاتك » , فقد كان لا ينتهى عن طلب المال من أبيه حتى قال له فى أحد خطاباته : « ماذا تظن ؟ كأننا مصنوعون من ذهب ؟! » , وظل على دأبه مع أمه وأخواته بعد موت أبيه , فظل حتى الرابعة والعشرين عالةً عليهم , حتى كتبت له أمه وإحدى أخواته ألاَّ يبقى
« طفيليًّا أبديًا » , وأنذرتاه بقطع المعونة عنه .

     وبعد أن يضرب العقاد المزيد من الأمثلة , يقفى بأن ذلك لم يكن بسبب إنشغال ماركس بالدعوة إلى مذهبه عن طلب الرزق , وإنما الواقع أنه كان لا يطيق العمل , حتى أشفق عليه أحد رفقائه فأقنعوا « لسكى leske » بالاتفاق معه على تأليف كتاب فى موضوع الاقتصاد وعلاقته بالسياسة , وهو ما تدور عليه دعوته , فتم الاتفاق سنة 1844 , وقبض ماركس من ثمن الكتاب مقدما ألف وخمسمائة فرنك , بأسعار ذلك الزمان , ومع ذلك مضت أربع عشرة سنة دون أن يظهر الكتاب . بل واتفق ماركس سنة 1858 مع ناشر آخر هو « الهرّ ونكر Dunker » على تأليف الكتاب , ومضت السنوات دون أن يظهر الكتاب الموعود .

     ويروى العقاد أن موارد الرزق قد ضاقت بالرجل لكسله وإخلافه وعوده , وكان قد إنتقل إلى العاصمة الإنجليزية , فسعى بعض معارفه لتدبير عمل لكسب قوته , فاتفقوا له من صحيفة « نيويورك تربيون » على كتابة مقال أو مقالين فى الأسبوع يرسلهما إليها من لندن , إلاَّ أنه لم ينشط لكتابة هذه الرسائل , وأعتمد على صديقه « انجيلز » ليكتب باسمه !

     حتى كتاب « رأس المال » المعتبر إنجيل الشيوعية المقدس عند أتباعها , لم يبدأ ماركس الكتابة فيه إلاَّ تحت ضغط شديد من الحاجة العاجلة الملحة . وما هو إلاَّ أن استقل زميله « انجيلز » بتجارة أبيه واستطاع أن يخصص لكارل ماركس معاشا سنويا دائما , حتى طوى النبى كتابه المقدس دون أن يتمه وبقى ناقصًا للآن !

     فهذا هو إذن مسلك « الإمام ! » الذى خرج يبشر الناس بقداسة العمل ويبغضهم فى المتبطلين الذين يعيشون عالةً على غيرهم , فإذا به يعطى ظهره للعمل , ولو عومل على مقتضى المبدأ الذى طرحه « من لا يعمل لا يأكل » لمات جوعًا .

     والعجيب من أمر هذا الرجل الذى استباح الأجر بلا عمل , أنه خشى من منافسه الزعيم « باكونين » فبحث عن سبب للتشهير به وتجريحه , وحمل المؤتمر الإشتراكى على فصله , وكان العجيب أن يصطنع لذلك أن « باكونين » دّنَّسَ سمعةَ الاشتراكيين لأنه إتفق مع ناشر فى روسيا على ترجمة كتاب لم ينجز ترجمته !

     وأبى الرجل إلاَّ أن يزيد صفحته سوادًا , فتنكر لصديقه الزعيم « لاسال » الذى كان له فضل التوسط لدى الناشر لنشر كتابه لقاء أجر قبضه ولم يضع الكتاب , فجعل يقول عن
« لاسال » إنه يفكر تفكير الزنوج , وأن ملامحه تدل على وراثة زنجية , شافعًا ذلك بالتلميح إلى عفاف أمهاته قبل جيل !

   ولم ينج من إساءاته ـ أساتذته وزملاؤه , باستثناء « فردريك إنجيلز » الذى كان محتاجًا إلى معونته المالية مدى الحياة , ومع ذلك نرى انجيلز يصفه فى إحدى رسائله إليه بالأنانية وجمود العاطفة ونقص المروءة والشعور .

   بقى بعد هذا تأكيد العقاد أن ما نقل عنه من حقائق , مستمد من سجلات الحركة الشيوعية التى دونها دعاتها وأنصارها .     ( يتبع )

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *