فى مدينة العـقاد أفيون الشعوب ـ المذاهب الهدامة ـــ (116)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

     فى إطار اهتمامه بالعقائد والمذاهب ، ونظم الحكم وفلاسفته وما يموج من نظريات قريبة أو بعيدة الصلة بهذه أو تلك ـ كتب الأستاذ العقاد كتيبًا صغيرًا فى حجمه ، عميقًا فى فكره : « أفيون الشعوب ـ المذاهب الهدامة » ـ صدر بالقاهرة سنه 1956 ، ونشرته مكتبه الأنجلو المصرية ، وأعيد نشره فى بيروت ضمن المجلد/13 للمجموعة الكاملة لمؤلفات العقاد ، ودار هذا الكتاب حول المذاهب الهدامة ، والعلم وهذه المذاهب ، وموقف وحال الناشئة من هذه الدعوات ، ونظر المذهب للعائلة والوطن والدين ، منوهًا بأن المتطرفين يهدمون أهم ما فى الدين لحضارة الإنسان ، ويتحدث فيما يتحدث به ـ عن الماركسية والشيوعية والوجودية أو الوجدانية ، والفوضوية والوجودية ، ثم المدرسة الرمزية ، وأخيرًا ما هو المصير كما يتوقعه ويراه .

     وتقول مقدمة العقاد للطبعة الثانية ، أن الطبعة الأولى للكتاب نفدت فى بضعة أسابيع وهذه حجة على صدق وصف المذاهب الهدامة بأنها أفيون الشعوب .

   *       *       *

     يقول كارل ماركس وأتباعه إن الأديان أفيون الشعوب وأن الناس تقبل على الأديان لأنها تخدرهم وتلهيهم عن شقاء الحياة . وهذا هراء ينطبق مضمونه على الماركسية ذاتها .

     فالشعور بالمسئولية والمسكرات ومشتقاتها نقيضان ، والأديان توقظ الشعور بالمسئولية ، وتحذر فى الوقت نفسه من مقارفة الذنوب وهى حصاد المسكرات والمخدرات.

   وعلى النقيض ، فإن مذهب ماركس ذاته هو الذى يرفع عن الضمير شعوره بالمسئولية لأنه يلقى بالمسئوليات كلها على المجتمع ، بينما يسعى سحر الماركسية الزائف إلى استهواء السفلة إليه ، فيجدونه فى الماركسية بلا عناء ولا ثمن .

     وإن الماركسيين ليتحدثون كثيرا ويفيضون فى الحديث عن « المذهب العلمى » للتاريخ ، ويكثرون من ذكر العلم والبحث والاستقراء ، ولكنك واجدٌ فيهم أن الحسد يعميهم عن كل فضيلة ومنها قيمة المعرفة والاستقراء .

       ولا غرو إذن فى أن الماركسية ـ لا الدين ـ هى بالفعل أفيون الشعوب !

 

العلم والمذاهب الهدامة

                 

     ومن الدعاوى العريضة التى يدعيها أصحاب المذاهب الهدامة ، ادعاؤهم بأنهم يتجنبون الأوهام والخيالات ، ويعتمدون على الحقائق العلمية التى تعلق بها دعاة الإصلاح الأقدمون . ومن أجل ذلك يسمون الاشتراكيين السابقين لهم بالحالمين ، وينعتونهم بأنهم خادعون مخدوعون ، وأن اشتراكيتهم الحديثة التى يبشرون بها لا تقيم وزنًا لغير الواقع المقرر بالتجربة والمشاهدة ، ولا تَعِد الناس بشئ ذى بال .

     ويشهد على إن ادعائهم الصفة العلمية محض ادعاء يخالفه الواقع ، أنهم يسمون مذهبهم بالمذهب المادى قاصدين أنهم يفسرون كل حوادث التاريخ بالأسباب المادية ، ولكنهم يخطئون فى الواقع فى تفسير أكبر الحوادث مثلما يخطئون فى تفسير أهونها وأصغرها .

     يعللون مثلا انقضاء عصور الفرسان والنبلاء ، بظهور البارود وظهور المدن التجارية وتحكم كبار التجار فيها . ويقولون إن الفرسان سادوا الولايات بخبرتهم بالحرب وفنون النزال ، ولذا زال سلطانهم بعد اختراع البارود الذى جعل استخدام السلاح سهلاً على عامة الناس . وقالوا عن انتشار المدن التجارية إنه قد حول النفوذ الى التجار الكبار وأصحاب الأموال ، ولهذا زالت سيادة الفرسان والإقطاعيين ، وسادت بدلهم الطبقة البرجوازية .

     ولا يخفى أن تفسير الحركة البرجوازية هو أهم المسائل فى الدعوات الهدامة ، ولكن هل صحيح أن البارود والمدن التجارية قد حققا بالفعل هذا الأثر فى تطورات التاريخ ؟

     لقد ظهر البارود ، وظهرت المطبعة ـ فى الصين قبل ظهورهما فى الغرب بعدة أجيال ، كما راجت المدن التجارية فيها وراجت تجارتها من قبل عصر الميلاد ! ومع ذلك لم يحدث فى الصين ما حدث فى القارة الأوروبية ، برغم تفسيرهم المادى للتاريخ !

     كذلك لم تصدق نبوءاتهم للمستقبل أن الصناعة تتقدم فى البلاد التى تسرع إليها الماركسية ، بينما يشهد الواقع أن الصناعة تأخرت فى تلك البلاد ، على النقيض من تفسيرات الماديين . والحقيقة أن هذا التأخر هو الذى يدفع إلى المذاهب الهدامة ، وظهر ذلك فى روسيا ثم فى إيطاليا وإسبانيا ، بينما كانت العصمة من المذاهب الهدامة على أشدها فى الأمم الصناعية العريقة .

     ومن نبوءاتهم العلمية ، توقع نقص أجور العمال والصناع كلما تضخمت المصانع وتضاعف رأس المال ، بينما يقول الواقع العلمى إن الأجور تزداد مع تقدم الصناعة ، وإن العمال يزدادون اعتمادًا على الوسائل الدستورية أو البرلمانية فى تحسين أجورهم .

     ومن الجهل بالحقائق ، أو تجاوزها ، القول بأن ثورات هذا العصر دليل على صدق النبوءات الشيوعية ، وأن العالم يمضى إلى الخاتمة التى توقعها كارل ماركس وتلاميذه ، بينما الثورات لم تنقطع فى القرن التاسع عشر ، ولم تنقطع فى القرن الثامن عشر ، ولا انقطعت فى القرون الوسطى ، ولا انقطعت قبل ذلك فى الدولة الرومانية . وحدثت هذه الثورات لأسباب كثيرة ، منها العقيدة ، أو للوطن ، أو للخلاص من حاكم أو استبداله .

     والخلاصة التى يستخلصها العقاد ، أن الاشتراكية العلمية ليست من العلم ، ولم تصدق نبوءاتها ، بل طفق يبين أن وسائل الإنتاج تؤول شيئًا فشيئًا إلى خبراء الصناعة والاقتصاد والدعوة . كما تبين أن الثروة لا تؤول إلى العامل الصغير بمجرد زوال رأس المال ، بل تستولى على الإدارة طبقة الأخصائيين الفنيين التى لا تستغنى عنها الحكومات ، وأن المؤشرات تورى بأن الدول هى التى ستكون المتصرفة فى الإنتاج وفى تصريف المصنوعات . وهكذا يأتى الحاضر بتكذيب تلك النبوءات .

     ولو كانت للمذاهب الهدامة فلسفة مقنعه لما عوَّل دعاتها على الجهلاء ، وقد يتفق لهم موافقة طائفة من المتعلمين أو العلماء ، وحال هؤلاء إما أن يكونوا زمرة ممسوخة الطبائع مطوية على الحسد والبغضاء والغرور ، وإما أن يكونوا مخدوعين يتحولون عن الخديعة بعد العلم بحقائقها . وعلى ذلك فالاشتراكية العلمية فى نظر العقاد خرافة لا علم فيها ، وليس أدل على افتقادها للعلم ـ الادعاء بأن زعيمها كارل ماركس قد فرض على المستقبل نظامًا لن يختلف بعد آلاف السنين ، ومن الخرافة أن يستطيع فرد واحد أن يسلط فكره على الدهور المقبلة إلى غير نهاية .

   وبعد ، فقد لا تجارى العقاد فى كل منطقه وحججه ، وقد ترى أنه متحامل فى عدائه للشيوعية ، ولكن يقول الواقع الذى شاهدناه بعد ثلاثين عاما من وفاة العقاد ، أن الشيوعية تعرضت بالبروسترويكا إلى انقلاب ضخم تفكك فيه الاتحاد السوفيتى ، وتغيرت الخريطة الاقتصادية والجغرافية والاجتماعية فى المعسكر الشيوعى ، على نحو قد لا يتسع هذا المجال للإفاضة فيه ، ولكنه على الإجمال قرينة على أن العقاد لم يكن بعيدًا تمامًا عن الصواب فى رؤيته وفيما شنه من هجوم أو انتقاد .

( يتبع )

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *