فى مدينة العـقاد فلاسفة الحكم فى العصر الحديث ـــ (115)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

جراهام والاس

     كان « جراهام والاس Graham Wallas » ( 1858/1932 ) آخر من عرض الأستاذ العقاد لأعماله ومذهبه فى كتابه « فلاسفة الحكم فى العصر الحديث » ـ ووصفه الأستاذ العقاد بأنه « الكاتب الألمعى » وبأنه طراز آخر غير الكتاب الذين أجمل الكلام عنهم . فهو لا يتشيع لشكل خاص من أشكال الحكومة ، ولا يستخلص من عبر التاريخ محورًا خاصًا تدور عليه النظم الحكومية ، ولكنه حاول أن ينشئ علمًا للسياسة يضارع علم الاقتصاد أو علم الاجتماع إنْ لم يبلغ دقة العلوم الطبيعية والرياضية .

     وقد اشتغل « والاس » بالتدريس ، وكان عضوًا مؤسسًا فى الجمعية الفابية الاشتراكية ، وأحد أعضاء لجنة التحقيق التى ندبتها الحكومة الإنجليزية لبحث مسألة الوظائف والموظفين ، وألف كتبًا قيمة فى أصول السياسة والاجتماع ، منها كتاب « الطبيعة البشرية فى السياسة » وكتاب « تراثنا الاجتماعى » وكتاب « الهيئة الاجتماعية العظمى » وكتاب « الرأى الاجتماعى » ، ورسائل متنوعة دارت حول هذا الموضوع ، إضافةً إلى بعض التراجم والتقارير .

     ويرى الأستاذ العقاد أنه اهتدى بقول أرسطو أن السياسة علم يدرس للعمل لا لمجرد الفهم والمعرفة ، فليس يجوز أن يكون علم السياسة كعلم الفلك الذى لا يتيح لعلمائه تحريك كوكب واحد عن مساره قيد أنملة أو للحظة .

     فالمقصود بعلم السياسة هو الإحاطة بمجاريها والاقتدار على تعديلها والتأثير فيها ، على أن ذلك لا يستلزم أن يكون الإنسان معقولاً فى تصرفاته السياسية ، فقد قيل إن المرء ليحتاج إلى كثير من التعقل ليعلم كم يخلو السياسى من التعقل . ولا سبيل لفهم السياسة دون أن تكون هذه الحقيقة ماثلة أمام الدارس .

     ويشير الأستاذ العقاد إلى أن « والاس » توفى ( 1932 ) ولمَّا يفرغ بعد من محاولاته فى تقرير قواعد علمه ، ومن ثم فلا مناص من التعرض للأغاليط التى طرحها على مشرحته والإلمام بأمثلة من أساليبه فى مناقشتها أو تفنيدها ، فمن المتفق عليه أن أساليبه كانت علمية منزهة عن الهوى السياسى أو الدوافع الشخصية .

       ومما عرض له « جراهام والاس » ، الرأى القائل بأن العامل الأول فى حساب تصرفات الإنسان هو « حب المنفعة » ، ورأى القائلين بأن الإنسان « خاضع لعاطفته » فى حركاته السياسية ، والرأى القائل بأن نظام الحكومات الماضية والحاضرة قام على « حق الملكية » ، ورأى القائلين بأن الحكم النيابى الصالح يتحقق « بالانتخاب النسبى » الذى يفسح للناخب أن يعطى صوته وأن تكون جملة الأصوات المتفرقة قوة برلمانية لا تخضع لتدبير الأحزاب والزعماء .

   وقد بحث « والاس » فى مزية المجلس الأعلى الذى يوازن المجلس الآخر فى البرلمان ، ويصده عن الشطط أو الإخلال بسلامة الأداة الحكومية .

     ومما طرحه « والاس » للتساؤل ، هل رضا المحكومين شرط من شروط الحكومة الصالحة ، فرجح أن العالم النفسانى سوف يجيب بالنفى على هذا التساؤل ، لأنه لا يتصور أن يقوم الحكم على أساس متقلب كأهواء جمهرة الناس ، وهو هو رأى أفلاطون الذى اقتدى به أيضا المفكر الحديث « ويلز » صاحب كتاب « طوبى العصرية » الذى تخيل فيه ثورة من العلماء الممتازين تتسلم زمام الحكم وتمضى فيه على هدى العلم والأخلاق حتى وإن أسخط الجهلاء ، فإنهم كثيرًا ما يسخطون على ما ينفع ويفرحون بما يضر !

 

*         *         *

     ومن الأمثلة المستقرأة ، نعرف نهج الأستاذ « جراهام والاس » فى محاولاته ، ونعرف المدى الذى وصل إليه من تقرير قواعد علمه .

     وعلم السياسة مطلوب لضمان السلامة فى المجتمعات الإنسانية ، ومثل السياسى فيه كمثل الخبير ، والمفهوم من مجمل أقوال الأستاذ « والاس » أن استحالة التعقل فى جميع التصرفات الإنسانية لا يحول دون الترقى فى علاج الشئون السياسية ، وأن جمع الملاحظات الصادقة عن طبائع الجماعات وبواعث العمل السياسى فيها فرديًّا وجماعيًّا ـ علم مطلوب كما تطلب العلوم ، ومحاولة طيبة لإلقاء النور على دوافع الساسة ودوافع المسوسين ، للخروج بالسياسة من الظلام إلى النور .

 

*      *       *

     وقد ختم الأستاذ العقاد ما أورده عن الشخصيات التى تعرض لها ، بتعقيب حصاده أن مذاهب هؤلاء تتقاسم فيما بينها الصواب والخطأ على حصص متفاوته ، فلا ينفرد أحدها بالصواب كله أو بالخطأ كله ، ثم هى على تناقضها من ناحية ـ يتمم بعضها بعضًا من ناحية أخرى . وتكاد تتفق كلها على استحالة « الطوبى » الموعودة التى تتعلق بها أحلام طلاب السعادة .

     ويرى الأستاذ العقاد أنه عبث أن يقال إن نظامًا من نُظم الحكم أو الإنتاج ينهى التفاوت بين الناس أو يبطل دواعى الأمر والطاعة بين جماهير الحكام والرعايا . فقد عهد الناس أن القوة تجلب الثروة ، وأن الثروة تجلب القوة ، ومن ثم سيظل التفاوت بينهم قائمًا فى البأس والذكاء والهمَّة والحيلة ، وبابًا لاختلاف الحظوظ فى الجاه والسيادة .

     ولا شك أن فى الحياة ظلمًا وحرمانًا ، ولكنهما لا يرجعان إلى طائفة دون غيرها ، كما وأنه ليس هناك علية سرمديون ولا سفلة سرمديون ، ومن غير الدقيق الاعتقاد بأنه طائفة تعمل وأخرى تغصب ، فالعاملون اليوم بأيديهم يعيشون بمخترعات العاملين برؤوسهم وقرائحهم ، وما كان لهؤلاء أصحاب القرائح أن يخترعوا جديدًا لو كانت العيشة منذ القدم وقفًا على حاجات الضرورة .

   وربما كان الصواب أن الكل عائل ومعول ، أو عالة وعامل ، أو ظالم ومظلوم ، ولكن تقسمت الحظوظ وتوزعت الأعمال ، واستبان استحالة اكتفاء أى فريق أو شخص بما عنده ، ولا مناص من الإقرار بوجود أسباب لتعويل كل منهم على سواه .

     لن يستقيم عمار الكون على فئة واحدة ، إذ لا نهاية لعوامل العمار ولا للمؤثرات التى تنجم عنها هذه الآثار ، ولم تستقم الدنيا قط على فكرة واحدة ، ولا صلحت الحياة قط على علّة واحدة ، ومهما يكن من تعدد المذاهب وتشعبها فى رؤوس الحكماء ، فإن رأس الحكمة فى السياسة أن المرء قد يصلح فردًا ولكنه لا يصلح عضوًا فى أمة , وأن الصلاح للمجتمع « استعداد » قوامه حاسة اجتماعية تتولد فى الأمة من مرانتها على مزاولة الشئون العامة أجيالاً متعاقبة حتى تصبح رعاية المصلحة العامة عادةً فى أبنائها يباشرونها عفو الخاطر بلا تكلف ولا اصطناع , وختام الحكمة ما ورد فى الأثر « كما تكونوا يولى عليكم » .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *