فى مدينة العـقاد فلاسفة الحكم فى العصر الحديث ـــ (114)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

فردريك أوجست فون هاييك

   عاش هذا الفيلسوف بدوره عدة سنين بعد صدور كتاب العقاد سنة 1950 , فقد توفى بعد اثنين وأربعين عامًا فى سنة 1992 , وكان بدوره لمّا يزل بعد فى أول الأربعينيات حين كتب عنه العقاد , فهو من مواليد 1899 , وهذه شهادة مزدوجة ـ كما سلف بالنسبة لبرنهام ـ لكل من « فردريك هاييك » والعقاد , تشهد لصاحبنا بالنبوغ المبكر الذى لفت إليه الأنظار ودفع العقاد للكتابة عنه وهو فى الواحد والأربعين من عمره , وشهادة للعقاد بسعة إطلاعه وبأنه كان يتابع ما يموج به العالم من فلسفات حول نظم الحكم والسياسة .

     وينتمى « هاييك » إلى مدرسة الحريين التى تعتبر مدرسة إنجليزية , وكثر أتباعها , ولا يستثنى البعض مذهب « هوبس » من مذاهب هذه المدرسة مع أنه الداعى إلى تزويد الحكومة بسيطرة قوية , لأنه مع هذه الدعوة كان يتمسك بوجوب أن يقوم الحكم على « تراضى المحكومين » واتفاقهم على اختيار وتنصيب الحاكم .

   وتجمل آراء هذه المدرسة التى تعتبر مدرسة « آدم سميث » , فى إرسال المعاملات بغير قيد , وتتخذ لها شعارًا « دعه فى سبيله » أو « دعه يمر » , على اعتقاد أن سنن العرض والطلب خير كفيل بتنظيم المعاملات فى الأسواق الداخلية والخارجية على السواء .

     ويجارى هذه المدرسة عدد ملحوظ من فلاسفة الحكم .. من جون ملتون إلى جون ستيوارت ميل إلى اللورد أكتون إلى هربرت سبنسر إلى برتراند راسل فى العصر الحاضر . وتخلص آراؤهم فى التشيع لمذهب « الحرية الفردية » واقتصار مهمة الحكومة على كفالته .

     ويذكر الأستاذ العقاد أنه اختار الأستاذ « هاييك » لتمثيل هذه المدرسة لأن كلامه فيها أقرب إلى البحث المجرد الذى لا يصدر عن تقليد من التقاليد القومية . فليس الرجل من صميم الإنجليز وإن تعلم فى انجلترا ، فقد ولد فى النمسا وتعلم فيها وفى الولايات المتحدة قبل أن ينتقل إلى انجلترا حيث أقام فيها واشتعل بالتعليم فى جامعاتها إلى وقت تأليف العقاد لهذا الكتاب .

     وقد صار لصاحبنا صوت مسموع فى ميدان الثقافة والسياسة , وشاعت آراؤه إثر نشره لكتابه « الطريق إلى الرق » ، وفيه لا يكتفى بترديد المبادئ الأولى التى أيَّد بها الحريون مذهبهم ، فقد وردت عليها ملاحظات ، ساعد عليها تفاقم مشكلة البطالة وتكاثر حزب العمال فى البيئة الإنجليزية والاضطرار فيها لتقييد التجارة ، فضلاً عن تزاحم الدول على الأسواق .

     ويبدو من كتاب الأستاذ « هاييك » الذى بلغت طبعاته ست طبعات ، غير طبعة شعبية ، أن مذهب الحريين يتخذ شكلاً جديدًا فى أسبابه ومناقشاته ، وإن كان قديمًا فى أصوله وغاياته .. وقد ذاع الكتاب وانتشر حتى عدَّه الحريون معبِّرًا صادقًا عن آرائهم .

     ويورد العقاد ردود الأستاذ « هاييك » على الحجج التى يبديها المعترضون على مذهب الحريين , سواء بضرورة التأميم ومزاياه , أو بمعطيات تقدم الصناعة وما تؤدى إليه من احتكارات , أو القضاء على المنافسة بالنزول بالأسعار أو ما يعرف اقتصاديا بسياسة «الإغراق » , وما يسوقه « هاييك » من أسانيد لتفنيد هذه الحجج أو الذرائع التى يشبعها نقدًا .

   وجمع الأستاذ « هاييك » فى كتابه طائفة من بحوث علماء الاقتصاد فى الأمم الأوروبية أشار إليهم الأستاذ العقاد , وإلى بعض آرائهم , لينتقل إلى إبداء أن التنظيم العالمى مشكلة أعضل من مشكلة التنظيم القومى وتوزيع الدخل بين العاملين فى الأمة الواحدة .

     ماذا تريده هولندا مثلاً وما الذى يحدوها إليه , وما الذى تبغيه جاوة , وما الذى يطرحه الأستاذ « برسون » من تساؤلات حول التنظيم العالمى الذى لا تملك فيه بعض الأمم رأس المال , بينما تملك أخرى منه ما يفيض على حاجتها , وما العمل حين يعظم الطلب فى العالم أو يقل على مادة زراعية حسب المواسم المختلفة , أو حين تنقص أمم نصيبها من مادة لتتم نصيبها من مادة أخرى .

   خلاصة ما يتوافق عليه الاقتصاديون فيما يبدى العقاد ـ فى مشكلة التنظيم العالمى , أنها تحتاج إلى تدبير أصحاب الحيلة الناجحة وحيلة أصحاب الكفاءة الضرورية لتنفيذها , وتدبير أصحاب الهمة والأمانة إذا توافرت الكفاءة . فمن الذى يضمن تدبير ذلك كله فى وقت واحد ورغم المفاجآت التى لا تدخل فى حساب ؟

   لا يوجد نظام خالٍ من المساوئ أو السلبيات ، والعبرة هى بحساب الحسنات والمساوئ ، على أن الحريين المحدثين لا يتابعون الحريين الأقدمين فى رفض التقييد بتة وإطلاق الحرية للمنافسة بغير استثناء ، فهم مع العودة لشعار « دعه لسبيله » « Laissaiz Faire » ، لا يلتزمون الرفض فى جميع الأحوال ، وإنما يرفضون شيئًا واحدًا وهو التقييد الذى يبنيه أصحابه على نظريات فلسفية قابلة للخلاف ويريدون فرضها كأنها وحى مبرم .

     مجمل مذهب الحريين الذى خلص إليه العقاد بعد رحلته مع الأستاذ « هاييك » ـ أن الحرية الفردية أو حرية الضمير الإنسانى هى الغاية القصوى التى تخدمها كل غاية ، وأن تحسين العيوب مع بقاء الحرية أمل مشروع يجارى سنة الحياة التى تقوم على التجربة والإصلاح ، ولكن ذهاب الحرية خسارة محققة دون ما عوض مضمون !

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *