فى مدينة العـقاد فلاسفة الحكم فى العصر الحديث ـــ (113)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

« جيمس برنهام »

     كان« جيمس برنهام James Burnham » الفيلسوف الأمريكى ، لا يزال حيًّا حين أصدر العقاد كتاب « فلاسفة الحكم فى العصر الحديث» سنة 1950 ، فهو من مواليد شيكاغو سنة 1905 ، وتوفى سنة 1987 بعد سنين من صدور كتاب العقاد ، وتاريخ ميلاد الرجل شهادة له وللعقاد ، فحاصله أن « برنهام » نبغ ولفت إليه الأنظار وهو لما يزل فى الأربعينيات من عمره ، وهذه ولا شك شهادة له بالنبوغ المبكر ، وشهادة أيضا للعقاد أنه كان يتابع ما يجرى ويموج فى العالم من فلسفات وأفكار فى نظم الحكم ، وأن متابعته امتدت إلى ما يجرى ببعيد عبر المحيط بالولايات المتحدة الأمريكية ، ولا شك بعد هذا أن ما كتبه العقاد سنة 1950 ، لم تتح له فرصة متابعة فكر وأعمال « برنهام » الذى امتد به العمر حتى 28 يوليو سنة 1987 ، بعد 37 عاما من ظهور الكتاب ، وبعد 23 عامًا من وفاة العقاد .

     هذا وقد تلقى « برنهام » تعليمه فى كل من الولايات المتحدة وانجلترا ، وأعجب فى مبدأ الأمر بالشيوعية الماركسية فبشر بها واشترك فى مساعيها ، وعُدّ فى مرحلة ما من أنصار تروتسكى بين الشبان الأمريكيين المتعلمين ، ثم قادته دراسته العلمية والاجتماعية إلى الشك فى مبادئ الشيوعية ومبادئ الاشتراكية ، والإيمان بأن نظام رأس المال ونظام الشيوعية غير صالحين للبقاء ، وانتهى إلى الجزم بأنهما صائران على زوال ، وأن نظامًا جديدًا سوف يخلفهما عما قريب ليستقر به سلطان الطبقة التى تقبض آنذاك على أزمّة الإنتاج ويعنى بها طبقة المديرين الفنيين .

       واستدل الرجل على صدق نظره ، بدلائل كثيرة ملموسة آنذاك فى أحوال العالم ، منها بطالة الملايين من العمال والصناع ، وعجز رأس المال عن توظيف ماله بالأسلوب الذى كان ساريا وقت الاستعمار فى القرن التاسع عشر ، وتزعزع القواعد الفكرية والاقتصادية التى كانت ملازمة أو مصاحبة لدولة رأس المال ، ونشوء طبقة أخرى تستولى على آلة الصناعة والاقتصاد غير طبقة أصحاب رؤوس الأموال ، ومنها أيضا عجز هذا النظام عن حل النقائض التى تواجهه كل يوم ، وأقواها عجزه واضطراره إلى تقييد الإنتاج والاشراف على تنظيم المرافق العامة والحد من الأرباح .

 

   *              *           *

     توقف الأستاذ العقاد قبل أن يدلى بدلوه فى فكر الرجل ، عند ملاحظة فارق المسافة بين النظرية وتطبيقاتها العملية فيما بين العالم القديم والعالم الجديد أو البلاد الأمريكية على التحديد ، فكانت هذه المسافة تتسع فى بلاد العالم القديم ، ولكنها تضيق كثيرًا أو قليلاً ـ فى البلاد الأمريكية ، وربما كان السبب حداثة التجربة الأمريكية فى تقدير النظريات ، فكانت فى حكم الحقائق المقررة عند تأسيس الجمهورية الأمريكية الأولى ، فالتزمت والتزم دستورها بمبادئ فصل السلطات والحق الطبيعى وحقوق الإنسان وسيادة الأمة وتحريم الضريبة « بغير نيابة رقيبة » ، ومن ثم صار من اليسير وضع النظريات موضع التنفيذ السريع ، إلاَّ أنه منذ تأسيس الدولة الأمريكية لم تخل من أصحاب دعوات دينية أو سياسية تسعى للتطبيق فى نطاقها المحدود ، وأصدر الدبلوماسى الأمريكى الفاشى « لورنس
دينيس » ( 1893 / 1977 ) كتابه عن « دوافع الحرب والانقلاب » وأطلق عليه
« انقلاب القصر » تشبيهًا له بما يقع فى قصور الملوك ، ورأى فيه أن الحكم فى الولايات المتحدة صائر إلى السيطرة الفاشية بغير حاجة إلى هدم بنيان أو زعزعة أركان .

     وقد ظهرت هناك نظرية حديثة شبيهة بهذه النظرية هى « نظرية الانقلاب الفنى » التى دعَا إليها صاحبنا « جيمس برنهام » فى كتبه وفى رسائله ، ومنها كتاب بهذا الاسم ، وآخر عن « المكيافيليين » ، وكتاب عن « الصراع فى العالم » ، وآخر عن « هزيمة الشيوعية المقبلة » ، ويذكر الأستاذ العقاد أن هذا الكتاب الأخير صار من أشهر الكتب السياسية المتداولة ( آنذاك ) ، لدى المعنيين بفلسفة السياسة بين الأمريكيين والأوروبيين .

 

   *               *           *

     ولم ينه الأستاذ العقاد تناوله لفكر ونظريات هذا الفيلسوف النابغ مبكرًا , دون أن يدلى بدلوه هو فى شأن الشيوعية ومستقبلها , إلى غير ذلك مما نعرف أن للعقاد فيه آراء
لا يخفيها .

     وقد عرض العقاد لمذهب « برنهام » والعوارض التى يراها تؤشر بالتحول إلى حكم طبقة المديرين الفنيين , من أطوار الحكم والسياسة , وإلى كونه متى تداعى « نظام رأس المال » السائد ـ آنذاك ـ فإن ذلك سوف يكون علامة على التطور الطبيعى الذى لا يرجع إلى الوراء , وسينقضى عهد الشيوعية .

     وجدير بنا أن نبدى هنا أن ما تنبأ به « برنهام » وحرص العقاد على عرضه , قد رأيناه يتحقق منذ تسعينيات القرن الماضى , ورأينا أن الإتحاد السوفييتى قد انفرط عقده , كذلك النظام الشيوعى , حتى طرأت تغييرات مهمة على الصين الشعبية الى كانت متخذة مثلاً للتطبيق الشيوعى المتشدد .

     أما الطبقة الفنية التى تشرف على أدوات الإنتاج التى تنبأ « برنهام » أنها ستتولى الحكم وأنها أقدر على صد الأغنياء وكبح الجماهير من حكومات رأس المال , فله مؤشرات لا تخطئها عين , وتورى بأن الرجل على حداثة سنه نسبيًّا حين رصد العقاد فكره ومذهبه , كان صاحب رؤية متأملة متعمقة , بيد أنه لم تتح لى متابعته فيما تلا صدور كتاب العقاد سنة 1950 وحتى وفاة « برنهام » سنة 1987 , على أن الذين أقروه على اعتقاده فى « عالم السياسة » خالفوه فى سهولة التطبيق الصحيح , والمهم فى السياسة هو التطبيق .        

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *