فى مدينة العـقاد فلاسفة الحكم فى العصر الحديث ـــ (112)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال الإسبوعى

« روبرت ميشيل »

     انتقل العقاد إلى « روبرت ميشيل » ( 1876 / 1936 ) المعتبر حجة بين كتاب الاجتماع والسياسة فى دراسة النازية والفاشية دراسة علمية , مكنه من التغلغل فيهما نشأته بألمانيا ومقامه فى إيطاليا , وأتاح له النفاذ إلى ما سبق وراء الحركتين وكيف تمكنتا من القبض على زمام السلطة فى كل من ألمانيا وإيطاليا .

     ويتفق « روبرت ميشيل » مع « باريتو » و « سوريل » على قواعد الرأى فى حقيقة الحكومة الديمقراطية , ولكن « ميشيل » إختصَّ بدراسة المنظمات والهيئات على أنواعها , سيما الأحزاب السياسية فى نشأتها وتكوينها وأعمالها , وخلاصة رأيه أن تكوين الفئات والطوائف ضرورة عامة , وأن الأمة والنادى الخاص يتشابهان فى قانون عام يعمل عمله فى كل جماعة بشرية .

     ويقول « ميشيل » أن الأحزاب على تنوعها : المحافظة والأحرار والعمال , تدعى جميعها أنها تعمل بإرادة الأمة , ومنها ما يعتقد ـ دون أن يعلن ـ أن جمهور الأمة لا يحسن الحكم على القضايا العامة .

     ورأى « ميشيل » أن الحكم الديمقراطى هو أفضل ما فى الإمكان بالقياس إلى غيره , هذا إلى أنه غير صحيح أن الجماعات الصغيرة الأولى كانت أقدر على تطبيق الديمقراطية من الأمم الكبرى , فالمعروف اليوم من دراسة الأطوار النفسية للجماعات وأحوال الكتل , أن رأى الجمهور ساعة اجتماع الكتل الكبيرة ، لا يمثل آراء آحاد المشاركين فى الاجتماع , الذين ينظر كل منهم للأمر على حدة . ففى الاجتماعات الكبرى يرجح الصخب على الحجة والخطابة على الإقناع . هذا عن الجماعات التى تلتقى فى مكان واحد ، أما جماعات الأمم الكبيرة فإنها تلتقى فى عدة أماكن ولا مناص من اللجوء فيها للتفويض والتوكيل ، فيصير تعبير الكتلة عن الآحاد أكثر صعوبة وابتعادًا عن الواقع الحقيقى . ويكرس لذلك أن الجماعة بطبيعتها كسولة لا تنتزع لنفسها القوة على الإنشاء والابتداء .

   والذى جرت عليه العادة فى هذه الأحوال ، أنه يظفر بالانتخاب من يتفرغ له ويحرص عليه ، وقد يفوز اتقاءً لبأسه ، أو لقلة منافسيه . ويجرى هذا فى انتخابات رئاسة الأندية وأمثالها ، ويجرى مثله على التقريب فى انتخاب الرئيس للهيئات السياسية والأحزاب الكبيرة ، ومتى ظفر أحدهم بالرئاسة جعل همَّه الأول أن يحيط نفسه ببطانة من أخصائه الذين يرتبطون ببقائه ويذهبون بذهابه .

     وقد لوحظ أن الفائز يبقى فى رئاسته بعد وصوله إليها , ويعاد فى الغالب انتخابه إما كسلاً من عناء البحث واختيار غيره , أو بأثر ما تشكل حوله من دوائر مؤيدة تعزز استمراره .

      ولوحظ أيضا أن الرؤساء يلجأون عادة فى بعض المواقف إلى التهديد بالاستقالة للإرغام على طاعته والتسليم له , وهم لا يلجأون إلى هذا الأسلوب إلاَّ إذا كانوا على ثقة من قلة أو تضعضع المعارضة وعجزها ومن ثم عن قبول التحدى .

     ومتى توطد مكان الرئيس وبطانته , صار فى وسعه أن يفرض مرشحيه للمجالس النيابية , فيأمن ببطانته ألا تشق عليه طاعة , ويجرى المحافظون على هذا النمط لأنهم على ثقة من عدم كفاءة الجمهور لولاية الحكم , ولكنهم يعتبرون هذا الجمهور ضرورة لا محيد عنها . والعجيب أن تجرى الانتخابات العمالية على هذا النمط , وتسفر عن احتكار الرئاسة فى لجان المحافظين والأحرار فى النقابات العمالية حيث يأمنون من المزاحمة .

     والأستاذ « ميشيل » شديد الثقة بنظرياته فيما يرى العقاد , حتى أنها تبلغ عنده درجة القانون ـ بل القانون الحديدى ـ الذى لا فكاك من حلقاته المقفلة . ويسميه ميشيل القانون الحديدى لولاية الخاصة : The Iron law of oligarchy , فلا يتأتى الحكم فى البلاد الديمقراطية أو سواها لغير فئة خاصة توافق زمانها .

     وقد شاعت نظرية هذا القانون الحديدى فى بيئات البحث الاجتماعي ودوائر الفلسفة السياسية ، فكان من أثره ارتداد بعض المفكرين عن الديمقراطية ، أو قبولها على علاتها لأنها أقرب للإنصاف من سواها .

     وبرغم إيمانه الشديد بهذا « القانون الحديدى » ، فإن الأستاذ ميشيل ظل من فلاسفة الحكم الذين تمسكوا بالحكم الديمقراطى ولم يتحولوا عنه ، تقديرًا لكون الرغبة فى إرضاء الأغلبية ستبقى نوعا من رمانة الميزان فى النظام الديمقراطى .

     على أن تلاميذ « ميشيل » ممن تشيعوا لآراء « كارل ماركس » قد أثرت فيهم نظريته فى القانون الحديدى أبلغ الأثر فى وزنهم للمبادئ الماركسية ، ومنهم « ماكس نوماد Max Nomad » الكاتب البولونى الذى يذكر الأستاذ العقاد أنه يكتب وينشر آراءه ـ آنذاك ـ فى الولايات المتحدة عن تناوب السيادة ومظهر ذلك التناوب فى البلاد الروسية ، ويقرر فى حديثه عن المتمردين والمرتدين أن النظام الشيوعى وضع السلطة الحكومية كلها فى أيدى الموظفين ورؤساء المصانع ، وأنشأ طبقة حاكمة تستغل الطبقة العاملة ولا تفكر فى النزول لها عن سلطتها . وهكذا فإن التجربة السوفيتية أثبتت إمكان الاستغلال فى ظل الاشتراكية !

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *