فى مدينة العقاد فلاسفة الحكم فى العصر الحديث – ( 111 )

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

     « جايتانو موسكا »

     فى صقلية وهى مهد الوحدة الإيطالية ، كان ميلاد الفيلسوف السياسى « جايتانو موسكا » ( 1858 / 1941 ) ، وخالط نشأته سماع قصص القتال بين الدولة الدينية المقدسة والدولة المدنية المستقلة ، وتلقى فى صباه أقاصيص الرواة عن « غاريبالدى » و « فكتور عمانويل » ، وهى من أعجب الأقاصيص بين القائد « الدكتاتور » والملك المختار ، وشهد القارة الأوروبية وهى تنتقل من نظام إلى نظام آخر من أنظمة الحكم التى تراوحت بين ملكية مطلقة وملكية مقيدة ، وبين جمهورية وإمبراطورية ، وبين أنظمة انتخابية تضيق أو تتسع فيها حقوق الانتخاب .

     وعاصر فرنسا وهى تتحول من جمهورية إلى إمبراطورية ثم إلى جمهورية ، وشهد قيام الدولة الجرمانية الموحدة وقيام غيرها من الدول الصغيرة فى أوروبا الشرقية ، وسمع بأنباء الثورات والفتوح ، وامتد به العمر حتى حضر الحرب العالمية الأولى وما تلاها من قلاقل وخطوب ، وعاش الأعوام الأولى للحرب العالمية الثانية .

     مع هذه المعاصرة والمشاهدات جنحت بالرجل سليقته إلى دراسة العلوم السياسية من جوانبها التاريخية والفكرية ، فاتسعت إطلاعاته ، ولم يبلغ « موسكا » الرابعة والعشرين حتى تمت فى ذهنه عناصر مذهبه ، وترادفت معها حوادث بقية القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين ، فأصدر كتابة « عناصر العلم السياسى » ( 1923 ) ، وكان بمثابة رسالته الأخيرة فى هذا الموضوع .

     ويتضح من مطالعة الكتاب ، أنه أتمه قبل قيام الحكومة الفاشية فى بلاده على يد « موسولينى » وأشياعه ، فأعفاه ذلك من صوغ مذهبه على أسلوب يتقى به غضب الحكم المستبد.

     ولم يكن « موسكا » من أصحاب الحظوة الكبرى فى الحكومة الفاشية ، فلم يكن من أنصار الحكومة المطلقة ، وبرغم نقده للتوسع فى نظام الانتخابات ، إلاَّ أنه أبدى أن تمثيل الشعب على صورة من الصور ـ لازم لكف الحاكم على الطغيان .

     وكان من رأيه أنه لا محل فى هذه الدنيا للحكومة المثالية أو لـ « طوبى » الفلاسفة الأقدمين والمحدثين الذين يمنون الناس بجنة النعيم ، وأنه يجب التبصرة بذلك لتبديد غشاوة الجهل والخداع . وقد حذر من هذا الوهم فى كتابه الذى ترجم للإنجليزية بعنوان « الطبقة الحاكمة The Ruling Class » ـ بخطورة الطوبيات إذا ما استطاعت أن تخدع وتجذب إليها أصحاب الأذهان والفضائل الخلقية .

 

*              *             *

 

     ومن أعمدة فكره أن « مزايا السلالات » لا فضل لها فى قيام الدولة أو الحضارة ، وعلى ذلك تدل شواهد كثيرة جعل يحصيها ، مدللاً على أن الخبرة بأساليب الحكم لا تنتقل فى الدم ولا هى من خصائصه ، أما خصائص الجو والإقليم فلا خلاف على ثأثيرها فى نشأة الدول والحضارات ، ولكن التأثير لا ينحصر فيها دون غيرها ، وأنه إذا كان من الخطأ حصر العوامل السياسية فى مزايا السلالة أو خصائص الإقليم ، فإنه من الخطأ أيضا حصرها فى الإنتاج ونظام الاقتصاد ، ودليل ذلك تحول اليونان الأقدمون من حكم الفرد إلى الحكم النيابى دون أن يطرأ على نظام الإنتاج فى بلادهم أقل تغيير .

       وقد عرض « موسكا » لتقسيم أنواع الحكومات من عصر الفلسفة اليونانية إلى العصر الحديث . فأرسطو يقسم الحكومات إلى ملكية وأرستقراطية وديمقراطية . وانطوت القرون الوسطى فجمع العلماء المحدثون أطوار التاريخ الإنسانى ـ كما فعل أوجست كونت ـ فى ثلاثة أدوار : دينية وفلسفية ووضعية ، تقابلها الدولة العسكرية فالدولة الإقطاعية فالدولة الصناعية . ثم اختصر « هربرت سبنسر » هذا التقسيم إلى قسمين : عسكرى وصناعى . وقرن الأول بالاستبداد والحجر على التجارة ، وقرن الثانى بالحرية وإجراء المعاملات مجرى الصفقات التجارية .

     ولا يعترض « موسكا » على هذه التقسيمات ، ولكن يرى أنها لا تغنى عن التماس الوحدة المتكررة فى جميع هذه الأنواع .. والشبه بين بعض الجمهوريات وبعض الملكيات أقرب من الشبه بين جمهورية وجمهورية أو ملكية وملكية .

     فالعبرة كلها بالطبقة الحاكمة ، وهذا هو حجر الزاوية فى مذهب هذا الفيلسوف .

 

*             *             *

     فمهما يكن نوع الحكومة , وفى أى بلد تحكم , وبأى عنوان تشتهر ـ فإن الظاهرة المتكررة دائما فى جميع الدول , هى أن الحكم مهمة محصورة فى أيد قليلة جدا بالنسبة للمحكومين .

   هذه هى الظاهرة المتكررة , وستظل تتكرر , لأنها تثبت بالتجربة والاستقرار .

   ومن الوهم فى نظره أن يفهم من « حكومة الفرد » أنها حكومة يديرها فرد واحد . فذلك محال , فهو لا يستطيع ذلك ما لم تؤيده « طبقة حاكمة » تلتف به وتحقق إرادتها بتحقيق إرادته .

   ومن الوهم أيضا أن يفهم من كلمة « الحكومة النيابية » أن الكثرة الغالبة هى التى تدير دفة الحكومة بالأصالة أو النيابة , وليس صحيحا أن الكثرة هى التى تنيب فعلاً عنها , وإنما الواقع أن « قلة صغيرة » هى التى يوكل إليها ـ بوسائلها المنظمة ـ اختيار النائب , ولا حيلة لعشرات الألوف المتفرقين أمام مائة أو نحوهم يتفقون فى الغرض والحركة ونشر الدعوة .

     بل وقد يحدث كثيرا أن تكون الطبقة الحاكمة فى الحزب الدستورى أو النيابى ـ أقل عددًا من الطبقة الحاكمة التى تحيط بالدكتاتور أو المستبد .

     ومن هذه الطبقة يتألف سلك الموظفين, أو « البيروقراطية » , وهى التى تطلع على دخائل الأمور وتستأثر بالخبرة فى الدواوين .

     ولكل طبقة حاكمة صيغة أو جملة من الصيغ تقرر بها سلطانها , وخير الطبقات الحاكمة هى التى تخدم المصلحة العامة ولا تجور فيها المطامع الشخصية على المصالح الكبرى .

     ولكن هذه الأفضلية لا تأتى من مجرد سن وفرض القوانين والدساتير , وإنما تتحقق بفضل القوى الاجتماعية والحصانة الشرعية , ففى كل أمة قوى اجتماعية متعددة تدخل فى بنية المجتمع , ومنها قوة العقيدة وقوة الرأى وقوة العرف والقوة العسكرية وقوة العمل والقوى الصناعية والزراعية والتجارية وغيرها . أما الحصانة الشرعية فيقصد بها
« موسكا » الحصانة التى تستمد من قدرة هذه القوى على مقاومة المطامع الشخصية . فإذا كانت هذه القوى متوازنة متكافئة , تكون الحصانة الشرعية وافية والطغيان متعذرًا وكذا مطاوعة المآرب الشخصية .

     فالطبقة الحاكمة تحسن أو تسوء على حسب القوى الاجتماعية والحصانة الشرعية , وفرصة هذه الحصانة أوفر فى الحكومات النيابية لأنها تتسع للمعارضة .

 

*             *             *

     وخلاصة مذهب « موسكا » أنه لا يُفْرط فى التفاؤل بمصير الحرية الديمقراطية ، ولا يُحْسِن الظن كذلك بأحلام الحالمين بالعدالة الموعودة ، وجمله رأيه أنه يفرق بين الأخلاق الأدبية المثالية وبين الأخلاق السياسية الواقعية .

       الصفات التى ترشح أصحابها للبروز فى عالم السياسة ، لا تتفق على الدوام مع الفضائل المأثورة ! بل يغلب على صفات السياسة النافذة أن تنحرف عن النمط السوى عند دعاة الفضيلة والسواء والمحبة .

     ومن السراب انتظار أن يعمل الجميع ما يُعْقَل ويوافق المنطق على الدوام ، فإن ميدان السياسة ضخم مفتوح للمعقول وغير المعقول ، وينبغى من ثم أن يعول الناس على القوة الرادعة فى كبح القوة الطاغية، وهذا هو ما يعنيه « موسكا » بإعداد القوى الاجتماعية فى المجتمع لضمان الحصانة الشرعية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *