فى مدينة العـقاد فلاسفة الحكم فى العصر الحديث ـــ (110)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

« باريتو»

ـــ

     ينتمى « فلفريدو فردريكو باريتو » ( 1848 / 1923 ) , إلى أسرة إيطالية نبيلة , وكان أبوه من أنصار الفقيه الكبير « ماتسينى » المعتبر إمام الوطنية الإيطالية , وقد أقام أبوه زمنًا فى فرنسا وتجنس بجنسيتها , وكان مناصرًا للمبادئى السياسية المتطرفة .

     وولد باريتو الابن فى باريس , وتعلم فى مدارسها , وخلف أباه فى هندسة السكة الحديد الإيطالية , وعكف إبان ذلك على مذاهب الفلسفة الحديثة , وأهمها مذهب « أوجست كونت » إمام مدرسة الوضعية , وخرج من دراساته وتجاربه مناقضًا لآراء أبيه المتطرفة , فكان من أنصار حرية التجارة , وأحبطه إخفاق الحكم الديمقراطى فى بلاده , وهاجر إلى سويسرا وتوفر فى جامعة لوزان على بحوث الاقتصاد ثم التوسع فى دروس الحكم واستخلاص قواعد النظم الحكومية , وشرح آراءه فى كتابه الضخم الذى ترجم للإنجليزية باسم « العقل والمجتمع Mind and society » .

     ومع شغفه بوضع القوانين والنظريات , لم تغرر به الثقة إلى الجزم بعصمة القوانين التى تتعلق بأطوار المجتمعات الإنسانية , وله مراجعات فى نظرية العرض والطلب وتأثيرهما فى الثمن .

     ومن أول ما قرره , أن أعمال الإنسان لا تقترن كلها بالتعقل أو بالأسباب التى توحيها ولا سيما الأعمال التى تدور عليها سياسة المجتمعات , ومنها أعمال تعقلية أو منطقية , وأخرى لا تخضع للتعقل ولا يتابعها التعقل إلى نهايتها , ومنها السعى إلى الأمثلة العليا , أو أحلام السعادة الأبدية , أو الأنظمة المثالية .

     ولهذه الأعمال جميعا مصدران : الجذور , والمشتقات . فالجذور قلما تتغير من زمن إلى زمن , والمشتقات هى التى تتغير بالأسماء والتعبيرات الكلامية والفنية , ويكثر تغييرها عند تغير أنظمة الحكم .

     ويرى أن الجذور هى على الدوام المصدر الأكبر للأحداث السياسية , أما المشتقات فهى تفسيرات لا يهم كثيرًا أن تتفق أو تختلف . ولهذا يحدث فى التاريخ أن تعترف الأمم بغاية واحدة ودين واحد , ولكنها تتناحر فيما بينها كأنها متشعبة المقاصد متناقضة الآمال .

     كذلك يتفق أن تتفرق الأمم شعارًا ومقصدًا , وتجتمع فى صف واحد أمام عدو واحد .

   وقد عرض « باريتو » لآلاف الحوادث والصروف التاريخية والدوافع النفسية , وردها إلى ستة أنواع من الجذور .

     سليقة التوفيق , وهى التى توحى للإنسان أن يوفق بين كيانه وبين مؤثرات الكون .

     وسليقة المثابرة والصيانة , وهى الكفيلة بحفظ تلك التوفيقات والغيرة عليها والدفاع عنها .

     وسليقة التعبير بالكلام والعمل , وإليها يرجع الإعراب عن شكايات المجتمع ومقترحات الإصلاح .

     وسليقة العلاقات الاجتماعية , وإليها يرجع عرف الناس فى صلاتهم .

     وسليقة السلامة , وهى تتعلق بكل فرد من أفراد المجتمع ويحكمها العرف والعادات .

     وسليقة الجنس , والمقصود بها عرف السليقة الجنسية لا مجرد الرغبة المتبادلة بين الجنسين .

*           *           *

     وتتجمع هذه الجذور ـ متحدةً أو منفصلة ـ فى أساس كل حركة سياسة تشمل المجتمع فى حالتى المحافظة والتجديد , وتتفرع مشتقاتها إلى أربعة أولها مرجع الحكم الاجتماعية والقواعد السياسية , وثانيها ما يوحى بالاطمئنان إلى الأسانيد المستمدة من أقوال الثقات المشهورين , وثالثها المبادئ التى يحسن وقعها فى الشعور أو توافق المقررات الشائعة فى زمنها , ورابعها المجازات والكنايات التى يختلط فيها الواقع بالتخيل .

     ويسأل السائلون , لماذا إذن تحدث الثورات وتتغير الحكومات إذا كانت تقوم دائما على الجذور فى الطبيعة البشرية ؟!

     وجواب « بارتينو » أن السبب قانون « تناوب الصفوة الممتازة لمقاليد الحكم بين الأجيال المتوالية »

   ومن الخطأ تخيل أن الجماعة البشرية تظل على حالة واحدة لا تتغير لأنها لا تخرج عن طبيعتها البشرية .

     فالجماعة البشرية خليط من الأنساب والأجناس والمدارك والأمزجة والمنافع والصناعات , ولذلك لا تستقر على حال ولا تضطرد على نسق واحد .

*           *           *

     وبين الجذور الستة التى أحصاها « بارتينو » , نوعان يرشحهما لولاية الحكم فى جميع الأدوار : النوع الأول المتمثل فى سليقة التوفيق بين الاتجاهات والأفكار , والنوع الثانى الذى يشتغل بالمثابرة والصيانة ويركن إلى القوة والإقدام . ولاخوف على الحكم مادام له حماة من ذوى الحول والحيلة .

     والحالة الفضلى أن تتولى الحكم صفوة ممتازة من ذوى الحول والحيلة , وأن تتفتح الأبواب للتداول فيما بين طائفة وأخرى , فى ظل آداب للمجتمع معتقدة ومرعية . ولهذا يتطرف « بارتينو » فى التوصية بحرية المعاملة وحرية التجارة , وينتقد الطبقات الحاكمة التى تحجر على المعاملات متصورة أنها بذلك تستديم مصالحها . ويقرر من الوجهتين الاقتصادية والنفسية أن أوفر الأعمال إنتاجا هو العمل الذى تحدوه الرغبة لا الخوف من العقاب , وأنه لو جرى الناس فى مطالبهم على سنة التعقل لما حجروا على المعاملات , ولا فرضوا فى الأعمال شيئا غير الرغبة والحرية !

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *