فى مدينة العقاد فلاسفة الحكم فى العصر الحديث _ (109)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

     بدأ العقاد حديثه بالفيلسوف « جورج سوريل Sorel Goorge » (1847 /1922) ، وواضح من تاريخى الميلاد والوفاة أنه عاش 75 عامًا ، وقعت خلالها حرب السبعين وتأسست الدولة الألمانية وتداولت على فرنسا أنواع من الحكومات ، ثم نشبت الحرب العالمية الأولى التى انتهت قبيل وفاته بأربعة أعوام ، وقامت فى أعقابها الحكومة البلشفية فى روسيا . واستطاع الرجل أن يقرن بين معايشة الوقائع ومطالعة التواريخ ومذاهب السياسة .

     ويرى الأستاذ العقاد أن « سوريل » يعتبر أستاذًا لكثيرين من الكتاب فى فلسفة الحكم والسياسة ، ومنهم « باريتو » و « ميشل » ، واعترف « موسولينى » بأنه الذى جعله غير مدين لأى من نيتشه ووليام جيمس .

     وكان « سوريل » فرنسيًّا من النورمانديين ، ومطبوعًا مثلهم على الجد والمحافظة ، وكان به نزعة تمرد ، فاختلف على مذهب داروين ، وعلى تقديس العلم والعقل ، وعلى عصمة الحياة النيابية ، وثار على الشيوعية الماركسية . وران على ضميره شعور الاشمئزاز فملكته فكرة الانهيار والتداعى ، فراح يكتب عن تداعى العالم الحديث كما يكتب عن تداعى العالم القديم ، وتصدى للسياسة ، ووافق شعوره بانحلال كل شىء ـ وافق حديث الفرنسيين عن اقتراب يوم القيامة باقتراب نهاية القرن التاسع عشر .

     وفى إنكاره لمذهب داروين ، قال بتنازع القوة والسيادة بدلاً من تنازع البقاء ، وبالدورات التاريخية بدلاً من التقدم المطرد فى أدوار التاريخ ، ورجع فى الإيمان « بإرادة القوة » إلى « نيتشه » ، وإلى « فيكو v. co » فى القول بالدورات التاريخية .

     ووافق ثورته على دعوى العلم والعقليين ـ ظهور مذهب « برجسون » القائل بدفعه الحياة وظهور مذهب « وليام جيمس » القائل بأن العمل الواقع هو مقياس الحقيقة ، وامتزج المذهبان فى رأيه فأنحى على الفلاسفة الذين حسبوا أن الإقناع كافٍ للإصلاح وأن الأخلاق منوطة بتعريفات العلوم ، واعتبر من عيوب المجتمع عدم التفاته للفضائل الحيوية وبواعث العمل .

     وكفر « سوريل » بجميع الأحزاب البرلمانية ، وباستحالة الإصلاح على يد أى حزب منها ، وزاده إيمانه بذلك تصديه للدفاع عن الضابط « دريفوس » فى القضية المعروفة باسمه . واشترك سوريل فى السياسة العالمية أيام الدعوة للسلام وفض المشكلات بالتحكيم ، ونفرت نفسه ن هذه الدعوة لاعتقاده أن آفة الإنسانية فى زمانه هى الاستكانة إلى الدعة .

     ولم يكتم سوريل أن آراءه فى إجمالها تنم على التشاؤم مع السخط والنقمة ، وغلا فى تشاؤمه أحيانًا ، وكان طوال حياته من أنصار « جوستاف لوبون » المعروف لقراء العربية والذى كتب العقاد عن بعض أعماله .

     ومع إقباله فى أوائل شبابه على مذهب « كارل ماركس » ـ خالفه بعد ذلك كل المخالفة فى جدوى المساعى السياسية والاعتماد على الحكومة ، إلاَّ أنه مع مخالفته هذه ـ كان يدين بقوة العوامل الاقتصادية ويستند إليها فى اختيار الحركة التى تؤدى إلى الإصلاح .

       وآمن بأن « الإضراب العظيم » كفيل بجمع الجماهير حول الراية ، وبتحفيز نقابات العمال والصناع ، وبأن قبض الفقراء على عنان الإنتاج يحفز الطبقتين العليا والوسطى على إبرام أمرهما فى إدارة المرافق العامة وتوزيع مطالب المعيشة بالمبادلة والمقايضة أو بأسلوب المعاملة الذى تمليه الضرورة .

     وقد ساهم سوريل بأفكاره فى الحركة النقابية التى كانت قائمة قبل انتمائه إليها ، ومن اللافت أنه تتلمذ عليه المتفقون والمتناقضون ، والتقت أفكاره مع كل من الفوضية والشيوعية وأحزاب اليمين المتطرفة والمصلحين السياسيين من رجال الكنيسة ، على ما بين هذه وتلك من اختلافات ، فقد رأى كل منهم فى أفكاره ما يفيده .

   ويبدو من شواهد القوة فى الظاهر ، فيما يرى العقاد ، أن يلتقى المذهب بعدة مذاهب تتناقض فيما بينها كما تتناقض الفوضية والشيوعية أو الفاشية والحكومة الدينية . بيد أن هذا هو بعينه مكمن الضعف فى المذهب .. إذ هو يتشعب ويتوزع ولا يصب قوته كلها فى اتجاه واحد .

     والأخذ بالأرقام المسجلة ، فى أسانيد المصانع وأسانيد الهيئات الثورية ، يدل على تناقض النقابيين فى جميع الأماكن التى ظهروا فيها . ولذلك شواهد فى الولايات المتحدة ، وأخرى فى الجزر البريطانية . وسوريل نفسه قد ختم حياته وهو على يأس من النقابيين الثوريين ، فاعتزلهم واعتزلوه .

     وجدير بالذكر أن الرجل وإن تعددت وجوهه بين أقصى اليسار وأقصى اليمين ، إلاّ أنه لم يكن ذا وجهين باختياره . ولكن أدركه حظ من تعددت وجوهه ، فلم يكن وجيهًا عند هؤلاء ولا هؤلاء !

 ( يتبع )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *