فى مدينة العـقاد فلاسفة الحكم فى العصر الحديث ـــ (108)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

     مضى أكثر من خمسة عشر قرنا منذ القرن الأول قبل الميلاد عصر شيشرون , إلى القرن القرن الخامس عشر بعد الميلاد , عصر « مكيافيلى » ( 1469 / 1527 ) , دون أن ينبغ فيها من فلاسفة الحكم من يستحق الذكر غير ثلاثة , منهم عالمان جليلان من أحبار الكنيسة : القديس أوغسطين والقديس توما الأكوينى , والثالث هو القس الشاعر الفيلسوف جون أوف سلسبورى الذى كان معاصرًا للملك هنرى الثانى إبان الخلاف على الدين والسياسة .

     بهذا قدم الأستاذ العقاد للحديث عن الثلاثة , فأما « أوغسطين » (354 /430) فقد ألف كتابًا عن مدينة الله , تفنيدًا لقول القائلين إن روما آمنت بالأرباب الوثنية فعاشت فى رخاء وقوة عدة قرون , وآمنت بإله الدين المسيحى فعجل إليها البوار بعد قرن أو قرنين , وقد استغرقه تأليف هذا الكتاب ثلاث عشرة سنة على فترات متقطعة , لذلك كثرت فيه النقائض والاستطرادات , وأهم ما تضمنه من مبادئ : ( 1 ) أن اقتناء الأملاك وجمع الكنوز شهوة بشرية خاطئة وليس من شرائع الله . ( 2 ) أن المستقبل للوحدة الإنسانية التى تؤلف بين المؤمنين فى حب الله . ( 3 ) أن الأمل الأكبر للجماعة الإنسانية هو  « السلام » . ( 4 ) أن الرق ثمرة الخطيئة والخطيئة هى السبب الأول لخضوع الإنسان للإنسان . ( 5 ) أن خضوع المؤمنين لأصحاب السلطان الدنيوى واجب فى حدود الأمور الدنيوية . ( 6 ) أن الناس فى مدينة الأرض حجاج إلى مدينة السماء وأقربهم إليها من هانت لديه النعمة الأرضية .

     ومنذ « أوغسطين » تعاقبت القرون من القرن الخامس إلى القرن الثانى عشر , وفيه ظهر « جون أوف سلسبورى » ( 1120/ 1180 ) , وهو صاحب كتاب « دليل الحاكم » الذى اخترع له اسم « بوليكرا تكاس policraticus» , تحدث فيه عن واجبات الحاكم وواجبات الرغبة وشروط الحكومة المطاعة , وأهم آرائه أن الفضيلة هى غاية الحياة , وأن هذه الغاية لا تدرك بغير الحرية . وأوجب فيه على الملك أن يعمل بالقانون , وفرق بين الراعى والحرس الأجير واللص ـ تربية القطيع .

     وقد انقضت حقبة فى اقتباس القوانين من بقايا الدولة الرومانية شاعت خلالها نظريات القانون الطبيعى وحق المساواة , وشاع معها تعريف القانون بأنه مجموع العرف والعادة التى اصطلحت عليها الشعوب وتولى رؤساها القيام على تنفيذها . وظهر فى القرن الثالث عشر من يقول مثل « براكتون » الفقيه الإنجليزى ـ إنه لا ينبغى أن يعلو أحد على مكان الملك , إلاَّ أن يعلوه سلطان الله والقانون .

*             *           *

    وبين هذه الأفكار أو التمهيدات المختمرة , نبغ الفيلسوف الدينى الكبير « توماس الإكوينى » ( 1225 / 1274 ) , فتأمل فيها وفى كتب الفلسفة , وخلص إلى مذهبه السياسى لدى تعليقه على كتاب « السياسة » لأرسطو , ثم عاد إليه فى رسالة لم يتممها سماها « ولاية الأمراء » .

     والكون كله فى مذهب الإكوينى ـ حكومة ذات درجات يستوى الإله على عرشها الأعلى , وأهم آرائه أن الحكومات الدنيوية ينبغى أن تتجه بطلب المشورة إلى آباء الكنيسة , لأن للإنسان فى الحياة غايتين : روحية , وجسدية . وليست السعادة الجسدية غاية قصوى بل هى وسيلة لتحقيق سعادة الروح , والكنيسة أولى لذلك بالتقديم من غيرها من الحكومات الدنيوية .

*               *             *

       ثم جاء عصر « مكيافيلى » ( 1469 / 1527 ) الذى صار اسمه علمًا على سياسة الغش والغيلة والقسوة والدسيسة والتماس تحقيق الغاية بأى وسيلة , وهى أفكار ضمنها كتابه المعروف « الأمير» .

     واللافت أنه هو نفسه وصف كتابه هذا بأنه « نزعة هوى » , وليس فى ذلك كذب , فقد كان طموحه فيه إلى توحيد إيطاليا كما توحدت فرنسا واسبانيا , ورأى أنه يعترض هذه الغاية طائفة من شرار الأمراء يتنازعون فيما بينهم ولا أمل مع بقائهم فى توحيد وطنه , فكانت أفكاره تصب فى إزاحة هؤلاء من طريق الوحدة , وفَصَّلَ مذهبه فى تعليقاته على كتب « ليفى » العشرة , وملحوظ فيما بين سطورها ما أفرغه فى كتاب « الأمير» , والمثل الأعلى للحكومة فى مذهبه هى الحكومة التى تسقط أمراء الإقطاع , وتنهض بالطبقة الوسطى , وتؤمن الشعب على حريته ومعيشته , وتركن إلى حاكم قوى بين الضباع , يمزج بين دهاء الثعالب وجرأة الأسد , ويلتف به رعاياه عن حب ومهابة وثقة .

*             *            *

   وفيما بين القرن السادس عشر والقرن التاسع عشر ـ دخلت نظريات السياسة فى دور جديد يدور على محورين : محور القوانين الطبيعية أو الحقوق الطبيعية , ومحور الخلاف على حق الكنيسة وحق الدولة وأيهما أحق بالأتباع .

     وقد أدى استقلال الملوك عن الكنيسة واضمحلال نفوذ النبلاء والفرسان والإقطاعيين ـ أدى إلى استقلال الأوطان , وتركزت الحقوق السياسية رويدا رويدا فى الشعب وبرزت فى طليعته الطبقة الوسطى , وهى أقدر طبقاته بعد اضمحلال سلطة النبلاء والفرسان والإقطاعيين .

     وتوالت النظريات عن الحقوق الطبيعية , وحق الكنيسة وحق الدولة وحق الشعب , وتوالت من القرن السادس عشر إلى القرن التاسع عشر بحوث الفلاسفة عن فلسفة الحكم , وكان من أقدمهم « جان بودان » الفرنسى ( 1530 / 1596 ) , ثم  « توماس هوبز » الإنجليزى ( 1588 / 1679 ) , وأتى بعده بجيل « جون لوك » الإنجليزى ( 1632 / 1704 ) , فنقض مذهبه فى الحرب الطبيعية وأقام مكانها طبيعة الاجتماع ( التضامن الإجتماعى ) , وتلاه فى التاريخ « البارون دى مونتسكبو »الفرنسى ( 1689 /1755 ) صاحب كتاب « روح القوانين » ومبدأ الفصل بين السلطات الذى اعتنقته دساتير العالم المتحضر , وأخذت به ـ بنسب مختلفة ـ الدساتير المصرية المتعاقبة .

     وتلاه الفيلسوف السويسرى الفرنسى « جان جاك روسو » ( 1712 / 1778 ) صاحب نظرية العقد الإجتماعى , وكان معاصرًا للفيلسوف الإنجليزى « دافيد هيوم »  ( 1711 / 1776 ) رائد المدرسة الحديثة التى تعزو أعمال المجتمعات إلى لدنيّة لا تخضع للتعقل فى جميع الأحوال . وقد ناقش روسو نظريته فى العقد الإجتماعى على فلسفة هيوم , ثم تعاقب الكتاب بين منتصف القرن الثامن عشر ومنتصف القرن التاسع عشر على مبدأ واحد وهو مبدأ « السيادة الشعبية » والحكم النيابى , وفى مقدمة أصحاب النظر الخاص من بينهم « بنتام » ( 1748 / 1832 ) , و « جون ستيورات ميل » ( 1806 / 1873 ) أعظم الفلاسفة المحدثين الذى اشتهروا بالنفعيين , ثم ظهر فى النصف الأخير من القرن التاسع عشر مذهب « المادية الثنائية » لصاحبه « كارل ماركس » ( 1818 / 1883 ) و « فردريك إنجلز » ( 1820 / 1895 ) . وهو مذهب له شطران : شطر فى فلسفة ما وراء الطبيعة ,وشطر فى فلسفة الاقتصاد والسياسة .

*             *             *

     وبعد هؤلاء الفلاسفة الأقدمين والمحدثين , لم يظهر من فلاسفة الحكم من يعرف له مذهب مذكور غير مذهب هذه النخبة التى أوجز الأستاذ العقاد نماذج آرائها , ومزية هؤلاء المحدثين أنهم استفادوا فى مذاهبهم من جميع كشوف العلوم الاجتماعية ومن جميع التجارب , ومن كشوف العلم الحديث فى طبائع النفس البشرية , ومن كشوف العلوم الاجتماعية والاقتصادية التى لم تكن معروفة من عدة أجيال .

     وقبل أن ينتقل الأستاذ العقاد إليهم , يشير إلى أن القارئ سوف يرى أنهم جميعا يخطئون وجميعا يصيبون , وأن مسألة الحكم مسألة تنتقل بها الحلول من عصر إلى عصر فى الغيب المجهول , ولكن العلم بمواطن الخطأ والصواب فيها أفضل وأحوط من الجهل بها !  

( يتبع )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *