فى مدينة العـقاد الصهيونية العالمية ـــ (106)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

     عاد اليهود بفعل هذا النجاح المشئوم , إلى منطق يعيدهم إلى « عزلة جديدة » عن العالم لم تعد تناسب أفكار العصر , حتى وإن توارى الشؤم وراء بعض النجاح !

 مصير الصهيونية العالمية

يختلف هذا المصير فى نظر الصهيونيين , عنه فى نظر أصدقائهم , عنه فى ظل أوضاع الواقع التى لا يمكن الهروب منها .

     وحدثنا العقاد عن تعدد نظر الصهيونية فى حل مشكلة اليهود , وفى نظر أصدقائهم , وناقش هذه المنظورات , ليخلص إلى فصل بالغ الأهمية لايزال العرب غافلين عنه , هو أن « مصير الصهيونية العالمية معلق على مقاطعة العرب » .. فلم تعد الدول العربية كما كانت , وصارت فى بعضها صحوة ناهضة فى شتى المجالات , يحوطها إن تآلف العرب أكثر من مائة وعشرين مليون عربى , قد أدركوا ( حتى وإن سكت بعضهم ) أبعاد المؤامرة التى تدبر ضدهم فى عالمهم , وليس مقبولا لديهم ـ حتى وإن تراخى بعض الحكام ـ أن يكونوا « مطية » لمليونين ( صاروا خمسة الآن ) من اليهود .. وليس بالعرب حاجة إلى سلاح غير سلاح « المقاطعة والحصار » فإذا قاطعها العرب وثابروا على مقاطعتها فليس فى الأرض قوة تستطيع أن تنصرها عليهم .

     وقد أنكر الصهيونيون حقائق عديدة , إلاَّ أنهم لم يستطيعوا إنكار مخاطر المقاطعة , وهم يتوسلون بكل السبل لتقويضها والقضاء عليها بالتطبيع وبغير التطبيع .. ويتحدث الأستاذ العقاد ـ فى أوان كتابه ـ عما نشرته مجلة الشرق الأدنى فى عدد الخريف سنة 1954 من بحث مفصل بعنوان « اقتصاد إسرائيل المشوه » , حصرت فيه العوائق التى تعترض اقتصاد إسرائيل وتشوهه فى أنها : ( أولا ) مقاطعة العرب ومنها إغلاق قناة السويس . و ( ثانيا ) اضطرارها إلى التجنيد العام وحشد جيش يكلفها نصف موارد الميزانية العامة . و( ثالثا ) قطع أنابيب البترول من العراق إلى حيفا . وقد أفاض العقاد فى استشهاداته مردودة إلى الخبراء فى هذا الباب , ولكن الحقيقة المرَّة التى تطل علينا الآن
( 2015 ) أن العرب فرطوا وأزالوا بأنفسهم العوائق التى كانت تناهض إسرائيل واقتصاد إسرائيل , و أعطوها ولا يزالون قبلة الحياة !

 

الصهيونية والمستقبل

وفى الختام

 

     يحدثنا العقاد عن تأرجح إسرائيل بين كفتين : كفة التمكن والبقاء , وكفة التداعى والفناء . وفى كل من الكفتين عواملها وأسبابها , ولكن عاملاً واحدًا إذا بقى فى كفة التداعى كانت له الغلبة فى النهاية لا محالة , وهو عامل « المقاومة العربية » .

     ولست أحسب أن الأسباب التى رصدها العقاد فى الكفتين من ستين عامًا , إلاَّ وباتت معروفة لنا الآن وزيادة بفعل الحوادث والمشاهدات والعبر التى مرت , إلاَّ عبرة واحدة عرفناها ولكن فرطنا فيها , وهى « المقاومة العربية » التى تراخت وتسربت وحل محلها
« التطبيع » و « الهرولة » وانتقال الشتات الإسرائيلى ليصير « شتاتا عربيا » , يتفرج الآن على « الربيع الإسرائيلى » الذى يحلو للمغرضين أن يسموه « الربيع العربى » !!!

     ومع ذلك , فإن حقائق الواقع الدائم ترجح إقبال اللحظة !

     إن إسرائيل قوية بغيرها , وهى برغم ما تتلقاه من دعم بالمال والسلاح , لا تحتمل هزيمة أو انكسارة واحدة , لأن جيشها هو أمتها , وهزيمته هزيمة لها غير محتملة , لذلك رأينا سنة 1973 كيف انتفضت الولايات المتحدة لإنقاذها وقلب موازين المعركة وإجهاض نتائج النصر المصرى .

     إنها بالفعل قوة مولية !

     فإذا كان فى وسع الولايات المتحدة أو من تشاء من الدول الكبرى أن تصنع الكثير لإسرائيل , فإن شيئًا واحدًا لا تستطيعه لأنه لا يستطاع ! ليس فى وسعها أن تقيمها على قدميها وتغنيها عن معونتها .. فإذا طال صبرها على تقديم الدعم والمعونة لها , فليس فى وسعها أن تضمن لها دوام « التقلبات السياسية الدولية » فى مصلحتها .. ولا فى وسعها أن تقتلع من طباع أبنائها جذور الداء الذى شكاه أنبياؤها , وسيشكوه لا محالة أصبر ساستها , وهو داء « الرقبة الغليظة » الذى أدى بعد عشرات السنين مما قاله العقاد إلى قتلهم « إسحق رابين » لمجرد أنه قال عبارة لم تعجب عن « الوعد الإلهى » المزعوم !

     فصل الختام فيما يراه العقاد , هو قيام إسرائيل , فهو نكبة ونكسة تعود بالصهيونيين إلى عزلتهم الأولى وعصبيتهم الباطلة التى يعادون الناس ويعادونهم من أجلها .. ومتى وقفت « صهيون » فى جانب من عزلتها وعصبيتها , ووقف العالم كله على سعته فى جانب التوجس والحذر منها ـ فذلك هو المصير الذى لا مراء فيه , وذلك هو الختام !

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *