فى مدينة العقاد الصهيونية العالمية (105)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

     خصص الأستاذ العقاد عدة فصول للنظر فى مصير الصهيونية العالمية والأسباب الدولية ، فيرى أن الصهيونية العالمية قوة مولية ، وقد يبدو لنا هذا الرأى غريبًا على ما نراه من الإقبال الحالى على إسرائيل ، والتأييد الذى تلقاه من الغرب خصوصًا ، والمساحة التى قطعتها حتى بدت نافذة إلى غاياتها ، ولكن ما يبدو فى الظاهر ، لا يعدو أن يكون « قضمات » وقتية ، لا تعبر عن واقع دائم أو قابل للدوام أو الاستمرار .

     المقياس الصحيح الذى يقيس به العقاد ،هو مقارنة عوامل الزوال بعوامل الثبات أو الاستمرار . والمتأمل فى تاريخ الحركة الصهيونية ، يرى أنها كانت دائما بغيرها ، لا بقوة كامنة فيها ، لذلك بدت انتهازيتها فى استثمار الأوضاع الدولية ، والتطور معها ومع ميل موازين القوى فيها لاستثمارها لصالحها .. ومع ذلك فإن عوامل الزوال التى تحدق بها ( رغم الإقبال الحالى عليها ) ، أكبر من عوامل الثبات أو الاستمرار .

     استفادت الصهيونية فى القرون الخالية ، بعدم التفطن إلى طوابيرها الخامسة ، وبأن الإحساس بالصهيونية فى البلدان التى تتحرك فيها كان مقصورًا على الشئون الاقتصادية ، لا يظهر الإحساس به إلاَّ كلما ثقلت على الناس وطأة الديون ، ولم يكن هناك اهتمام أو انشغال بالصهيونية من الوجهة السياسية ، فقد كانت تتستر وراء حجاب ، وحقيقة مساعيها مجهولة بين كل أمة ، وكانت الظروف الدولية تعطيها الفرصة فى اللعب على القوى الكبرى وابتزازها أو إغرائها إذا لزم الأمر .

     والآن لم يعد بمستطاع الصهيونية العالمية أن تعمل طوابيرها الخامسة فى الخفاء الذى تعودته ، ولم تعد ظروف العصر وطبيعة العلاقات الدولية تتيح لها أن تنجح فى عزل إحدى الدول الكبرى أو التهديد بعزلها ، وهى تراهن على الولايات المتحدة منذ نهايات الحرب العالمية الثانية ، ولا دوام أبدًا فى السياسات والمصالح الدولية ، ومع ظهور إسرائيل ومآربها ، أخذت أساليبها وألاعيبها تنكشف شيئًا فشيئًا ، وصارت هدفًا ظاهرًا خلافًا للأمس .

     ومع تغير الأحول العالمية ، فإن السيطرة الاقتصادية لم تعد كما كانت فى الماضى سرًّا من أسرار المكاتب وأعمال السمسرة الخفية وراء الأسواق ، وأدى التغير الذى طرأ على السياسة الدولية ومراكزها ، إلى توزع السيطرة السياسية والاقتصادية بين قوى عديدة مختلفة النزعات والمصالح ، ولا تجرى كلها بالضرورة مع مآرب الصهيونية فى مجرى واحد . وصارت السيطرة الاقتصادية مسألة متشعبة ترتبط بالأحوال الاجتماعية ، والحقوق الوطنية ، والشركات العالمية الكبرى ، وأنظمة الزراعة والصناعة فى جميع القارات .

     ولا ضمان للصهيونية فى استمرار اللعب فى أغراض القوى الكبرى ، كما لعبت مثلاً مع بريطانيا العظمى منذ حروب نابليون ، وعبر الحربين العالميتين الأولى ثم الثانية التى تعاظم فيها شأن الصهيونية فى السياسة الدولية ، فراحت تساوم وتملى الشروط وتغلو فى المطالب ، وتستثمر للإملاء الدعاية فى الولايات المتحدة ، فلم تعد الأوضاع الدولية وتركيباتها تتيح للصهيونية العالمية أن تمارس هذه اللعبة بذات الأسلوب أو القدر أو التأثير .

     لا شك أنه من الحكمة ألاَّ يستصغر المرء قوة عدوه ، وألاَّ يعظمها ويبالغ فى استعظامها .

     والصهيونية العالمية قوة كبيرة ، تملك وسائلها التى تؤذى بها خصومها وتنفع أعوانها وأذنابها ، ولكن ليس من الحكمة أو الصواب أن يُعْزى إليها التحكم فى الكون وخلق الثورات وتدبير الانقلابات وإهالة العروش وهدم الممالك .

       ويتوقف العقاد عند قوة الصهيونية المنظمة فى الولايات المتحدة ، وعن تواجدها الكثيف فى نيويورك حتى سماها الساخرون « جيويورك jew york » ، فيرصد مواضع وأساليب تأثيرها ، ولكن يلفت إلى تراكم « البغض » الذى يغفل عنه الكثيرون ، وهو يجعل الصهيونية معرضة إذا ما أثمر هذا البغض إيجاد جماعة أو جماعات تكافح الصهيونية ، مثل جماعة « كو كلكس كلان ku klux klane » التى عاشت بضع سنوات وبلغ عدد أعضائها ما يزيد على أربعة ملايين ، ولم يتفرق شملها إلاَّ لتعدد عداواتها التى امتدت ـ فضلاً عن الصهيونية ـ إلى محاربة الزنوج والتابعين للكنيسة الرومانية ومحاربة الاشتراكيين والشيوعيين .

     وهناك بالفعل بوادر انقلاب بدأت تظهر على النفوذ الصهيونى فى الولايات المتحدة ، وهو ما تحشد الصهيونية لمقابلته بأساليب لم تعد خافية ، وبإثارة تهمة « معاداة السامية » التى دائمًا ما تلوح بها هنا وهناك ، وقد تعددت فضائحها فى الجاسوسية ، وتراكم البغض الذى لا يخفيه الاستتار خشية انتقام الطوابير الخامسة !

 

البنية المتناقضة !

 

     ومن علامات الفناء فى الصهيونية أنها بنية متناقضة ، وأكبر جراثيم الفناء فى هذه البنية الخلاف الشديد الحاصل بين الصهيونيين على « عقيدة الصهيونية » .

     فأساس هذه العقيدة يقوم على الأمل فى ظهور ملك من بيت داود يبنى عرشه بمعجزاته وكراماته ، وينشئ فى بيت المقدس « أورشليم » المملكة التى بها اختص إله إسرائيل شعبه دون سائر الشعوب ، ولكن بدأ يظهر منذ القرنين السابع والثامن عشر ، حركات عقلية ترتاب فى هذه العقيدة ، وتعددت المذاهب التى تناقضها بين جماعة « الهاسكالا Haskala » ، وجماعة الأحرار ، وجماعة العصريين المحدثين ، وغيرهم من الجماعات . وفى مؤتمر « فيلادلفيا » سنة 1869 أعلن « إسحاق ماير وايز » صراحة أن رسالة اليهودية لا ترمى إلى تجديد ملك إسرائيل على يد ذرية داود ، وأنها لا تعنى العودة إلى انفصال جديد بينهم وبين أمم العالم ، ولكنها ترمى إلى « قيادة الأمم الإنسانية » فى طريق الخلاص على سنة الإخاء .

       وظهرت حركات أخرى تخالف فى أسلوب التجديد ، وتأثرت بالهيئات القومية فى أوروبا ، ونشطت حركة بزعامة « هيس Hess » و « سمولنسكن Smolenskin » اللتوانى ، وربط هيس دعوته للوطن القومى بأن يكون « نموذجًا للمجتمع الاشتراكى » ، فلما صدر وعد بلفور تغلبت الفكرة القومية على الفكرة الدينية والفكرة العالمية ، وأسكت الدعاة القوميون من عداهم ، وانتصروا على المعارضين بقوة النجاح الموقوت .

         ولكنه نجاح لا يدوم .

         بل هو فى الواقع نجاح مشئوم !

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *