فى مدينة العقاد الصهيونية العالمية (104)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

     من أساليب الصهيونية العالمية فى العصر الحاضر ، استغلال الحركات الاجتماعية والاتجاه بها إلى حيث تريد ، وأحب هذه الحركات إليها ما كان كفيلاً بالهدم وتفكيك أوصال المجتمع وهزَّ الأعراف السائدة ، وبما يتيح لها هى الفرصة فى التقدم .

     ومع استهداف الصهيونية العالمية لذوى السلطان فى السياسة الدولية ، لوحظ أن الحاشية المحيطة بهم من قبل الصهيونيين ، تحكم حلقاتها وتشدد رقابتها إبان الحروب الخاصة والمشكلات العالمية . وقد لوحظ ذلك فى الحربين العالميتين الأولى والثانية ، فأحاط الصهيونيون بويلسون ولويد جورج كما أحاطوا بروزفلت وتشرشل ، وعملوا جهرة وخفية لنفع الصهيونية والتعجيل بتنفيذ مآربها .

       وقد تساءل البعض ما هى القوة التى يتساند إليها الصهيونيون أو تساند إليها حاييم وايزمان حين هدد بريطانيا قبل الحرب العالمية بإقامة القيامة عليها فى عصبة الأمم فى جنيف ، أو مصدر قوة أمثال « باروخ » صديق روزفلت الحميم فى انجلترا ، حتى إنه وصف نفسه بأنه « أقوى رجل فى أمريكا » ، إلى غيرهم الذين طفق العقاد يذكر بعضهم وما أثير من تساؤلات حول نفوذهم الذى عزاه إلى أسلوبهم فى استغلال « العلاقات الشخصية » بالملوك والرؤساء وأصحاب النفوذ والمال .

     وليس هذا بجديد ، فهو أسلوب الصهيونية القديمة أيضًا ، الذى اعتادوه من قبل ثلاثة آلاف سنة ، لا يتغير فيه سوى النمط الذى يوافق الزمن الحديث ومطالبه .

*         *         *

ويحدثنا الأستاذ العقاد ، عن أن جهود الصهيونية العالمية تنحصر الآن فى غاية محورية هى إنقاذ « إسرائيل » من قضائها الذى تخشاه . ولا سبيل لذلك فى تقديرها إلاّ بوسيلتين :

أولاهما     الوصول إلى صلح مع العرب .

والأخرى     استبقاء نفوذها فى البلاد الأمريكية .

 ويرى الأستاذ العقاد حقيقةً ثاقبة ضللنا الآن عنها للأسف ، هى أن إسرائيل هالكة لا محالة إذا استمرت مقاطعة العرب لها « سياسيًّا واقتصاديًّا » ، ويفتعل الصهاينة الأفاعيل والمعارك والاعتداءات والحروب والمشاكل الحدودية ، لدفع العرب إلى الصلح أو إكراههم عليه .

     واستشهد العقاد على خطتهم بمقال كان قد نشره « موشى برليانت » فى عدد مارس 1954 فى « هاربر ماجازين » بعنوان « سياسة القصاص الإسرائيلية » والحوادث الدموية لجرّ العرب كرهًا إلى مائدة الصلح ، وقد رأينا هذا المخطط موصولاً يتكرر بعد صدور كتاب العقاد بعشرات السنين وللآن ، ودون أن تكون إسرائيل صادقةً فى الصلح الذى تظهر أنه مرادها ! فعقيدتها قائمة على اصطناع الحرب والعداء ليتماسك مجتمعها ولا ينفرط !

     وقد أحصى العقاد العديد من الشواهد ، وقرأ فيها مظان الصهيونيين ، وحلل نتائجها ، وإن كانت تحليلاته قبل المشاهد الحاضرة الآن بأكثر من ثلاثين عامًا ، تقاطرت فيها الأدلة على المخططات الإسرائيلية والأساليب الإرهابية والمناورات التى لا تنتهى لاستبقاء حياة الصهيونية العالمية واستبقاء نفوذها بالبلاد الأمريكية ، وتقديم إسرائيل لها على أنها الحارس الفاعل على مصالحها فى الشرق الأوسط ولدى العرب الذين تُستخدم ثرواتهم لصالح تكريس العدوان الإسرائيلى عليهم !!

*         *         *

عصبية الصهيونية

فى ميدان الثقافة والسياسة

   عصبية الصهيونية الحمقاء داء قديم متأصل فى نفوس القوم لا يسلم منه كبير فيهم ولا صغير ، وشواهده ظاهرة لا تخفى على اللبيب ، وقد أتى العقاد على بعضها ، ويضيف فى الفصل الخامس عشر بعض آثار هذه العصبية وتبشيراتها وتضليلاتها فى ميادين الثقافة والعلم والسياسة .

   فهى تدعو دعايات كثيفة بكل الوسائل لما تبتدعه أو يبتدعه غيرها من المدارس والمذاهب الأدبية والفنية والعلمية والفلسفية التى تتجه إلى الهدم خدمة للصهيونية ، ولإعلاء شأن البارزينـ وغير البارزينـ من اليهود ، والغض من أقدار النابغين من سواهم . والمتابع للحركات الفكرية والاجتماعية والسياسية بالغرب يلمس ذلك بوضوح ، ولكن أحدًا لا يتعمق فى فهم الحركات الحديثة بتتبع وفهم وتحليل بواعثها ، ولو تم ذلك لضبطت الأصابع الصهيونية كامنة وراء كل دعوة تستخف بالقيم الأخلاقية .

      ويضرب العقاد أمثلة ، تطرق فى بعضها إلى « فرويد » ، فرأى أنه وإن كان يبدو « مستقلاًّ » بعلمه عن « يهوديته » ، إلاَّ أنه يقال عنه ما قيل عن ماركس ودور كايم وسارتر ، وكان لا يطمئن إلى أحدٍ فى عمله إلاَّ أن يكون من « اليهود » ، ولا يثق بعمل مساعدٍ له من غير ملَّته .

       ومن اللافت أن الدكتور إرنست جونس ـ أكبر تلاميذه ، قد أحصى عليه ذلك فى كتاب عنه من باب تقرير الحقائق ، لا من زاوية مهاجمته . ومن اللافت أيضا أن يظهر فى شيكاغو خلال احتفالية مرور مائة سنة على مولد فرويد ، حملة عنيفة على « فرويد » ومذهبه تولاها مسئول فى مركزه العلمى والرسمى ، وهو الدكتور « برسفال بيلى » !

     ومثل آخر هو « ألبرت أينشتين » صاحب نظرية النسبية ، والذى حسب البعض أن انقطاعه للعلم ومعامله ومحافله ، أكبر من « يهوديته » ، ولكنه كان ينادى بالعصبية الصهيونية ، ونشرت له بعد وفاته مجموعة انتقاها هو من رسائله وخطبه ونسقها ، ويجهر فيها « بعصبيته الصهيونية » وإيمانه بإسرائيل كأنها عالم البعث للحياة اليهودية !

     ومن أعاجيب الصهيونى « ماكس نوردو » أنه كان يقسم الأخلاق إلى إسرائيلية وغير إسرائيلية ، وأنه كان شديد الغيرة للدعوة الصهيونية ، والحرص على التبشير بها برغم إلحاده بل وتطرفه فى الإلحاد . والمتعمق فى تفكيره يجد أن « مفتاحه » كان هو العادة « الإسرائيلية » التى يكاد لا ينساها فى جميع آرائه ، وهو ما كان الأستاذ العقاد قد تناوله تفصيلاً فى مقالاته عن « نوردو » التى مرت بنا فى تناول كتابه « مطالعات فى الكتب والحياة » ، والتى كان قد كتبها عنه بالبلاغ فى عشرينيات القرن قبل الماضى .

     ولم تخل عداوات الصهيونيين من الحماقة ، إلاَّ أن حماقة خصومهم هى التى أنقذتهم فيما يرى العقاد ـ من حماقتهم !

   إن إسرائيل ـ فيما يقول ـ هى القضاء المبرم على إسرائيل وعلى الصهيونية بعدها بأمدٍ قصير !                    ( يتبع )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *