فى مدينة العـقاد الصهيونية العالمية ـــ (103)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

     والطوابير الخامسة مصدر قوة للصهيونية ، لأنها متعددة متنوعة منتشرة متغلغلة فى ثنايا المجتمعات التى تتحرك فيها .. وهى على تعددها متفقة على أغراضها وأهدافها ، وهى بحكم هذه العوامل مطلعة على أسرار الدول والشركات والمجتمعات ، وتستغل ذلك كله فى المضى إلى أهدافها !

     هناك دول قوية نشرت عملاءها وجواسيسها هنا وهناك ، ولكنها لم تبلغ فى القوة والتأثير ما بلغته الصهيونية العالمية ، ربما لأنها تلقى من الحذر والتفطن والتحفز ما يساعد على مقاومتها ، بينما طوابير الصهيونية الخامسة طوابير مقيمة وتلعب فى هدوء فلا تلفت إليها الأنظار ، فضلا عن تخوف أصحاب المصالح من عواقب التصدى لها ومقاومتها !

     ويحدثنا العقاد فى الفصل التاسع عن طوابير الصهيونية العالمية فى ميادين الثقافة ، فهى تدرك كم هى مؤثرة ، فلا تكتفى بميادين المال والاقتصاد ولا بأثرهما القوى فى شئون الدعاية ، وإنما تتوسل إلى السيطرة على الثقافة والفنون بوسائل كثيرة ومتشعبة ، وملفوفة لا تلفت الأنظار ، وتتوسل لذلك من خلال الميادين المسيطرة على ثقافة العالم : الصحافة العالمية ، والشركات الوثيقة بالصحافة سيَّما الإعلان ، وشركات النشر والتوزيع ، وهيئات الثقافة العالمية .

     ولا تدع هذه الطوابير العمل فى المجالس النيابية ، فتهتم بالوصول إليها لأنها تختصر الطريق بالوصول إلى الحكومات مباشرة ، فضلاً عن تأثيرها فى التشريعات ، سواء بالإصدار أو بالتعطيل أو بالإلغاء ، ويحدثنا العقاد عما جرى فى المجر على سبيل المثال حين التهمت الصهيونية ثروة الفلاح الصغير ، وملكت زمام الفلاح الكبير ، وكيف ساعدتها طوابيرها على استغلال القوانين والديون وتشابك المعاملات ، حتى صارت المجر معروفة باسم « فردوس إسرائيل » ! فلما تفاقم الخطر وأطلت ثورة الشعب ، لم تعد الهيئة التشريعية قادرة على مجاراة الحاصل أو صم آذانها عن هذا النذير العاجل ، فتراجعت وأصدرت قوانين تنص على « تحديد » حصص اليهود فى الشركات ، ومن هذه القوانين
ما تعرقل عند الوصى على العرش فأسقطه بحق الفيتو .

     ويذكر الأستاذ العقاد وكيف تنبهت بعض الدول إلى هذه المخططات والمساومات ، فأصدرت تشريعات لتحديد المسموح بإنفاقه فى الحملات الانتخابية ، أو التى تقضى بإعلان مصادر أموال والأحزاب والكيانات ، بعدما لوحظ من اهتمام الصهيونيين بالوصول إلى المجالس النيابية ، بما فى ذلك مجلس العموم البريطانى ، لتدبير الأصوات المسموعة لتمرير الاستيطان الصهيونى فى فلسطين .

     أما طوابير الصهيونية العالمية الخامسة فى السياسة الشرقية ، فكانت ميدانا تتحرك فيه الصهيونية منذ نابليون الكبير الذى كان سيد القارة الأوروبية ، وفكر قبل حملته على المشرق فى مساومة الصهيونية على تبادل المنفعة ، بالتلويح لهم بأرض الميعاد فى مقابل تلقى الأموال والدعاية وتأييد الحملة ومقاومة النفوذ السياسى أو المالى .

     ويرصد الأستاذ العقاد كيف نشرت صحيفة « جازيت ناسيونال » سنة 1799 بيانًا لنابليون يدعو فيه يهود آسيا وأفريقيا أن يهرعوا إليه ليدخلوا تحت رايته إلى أورشليم .

     وسرعان ما تجاوب الصهيونيون مع دعوته ، فضلا عن سعيهم الحثيث لدى الباب العالى فى الإمبراطورية العثمانية ، ولم يكن نابليون يريد معونة عسكرية من الصهيونيين ، وإنما معونة « الأيدى الخفية » فى مراكز السياسة العليا هنا وهناك .

     وكما عملت الصهيونية العالمية مع الحملة الفرنسية لنابليون ، عادت فعملت بعد قرابة قرن مع الحملة الإنجليزية على مصر ، مثلما انبرت للعمل والتدخل فى بيت روتشيلد لتحذير بيوت المال الفرنسية من شراء أسهم قناة السويس ، وتمكين « بيكنسفيلد » رئيس الوزارة البريطانية الإسرائيلى من شراء أسهمها بالثمن المطلوب .

     ونهض على الصفقة « بيكنسفيلد » الصهيونى ، و« روتشيلد » الصهيونى ، حتى إذا ما دارت الأيام دورتها ، وشارفت الحرب العالمية الأولى على نهايتها ، أصدر « بلفور » وعده المشهور فى 2 نوفمبر 1917 ، ووجهه إلى « اللورد روتشيلد » مع أنه رعوية بريطانية ونائب دولة أجنبية أخرى ، ونشرت صحيفة « المانشستر جارديان » مقالاً صريحًا ربطت فيه بين انتصار الحلفاء وقيام الصهيونية فى أرض فلسطين .

أساليب الصهيونية العالمية

فى العصر الحاضر

     تحدث الأستاذ العقاد فى ثلاثة فصول ، عن أساليب الصهيونية فى العصر الحاضر ، فأوضح انه برغم اختلافها على حسب اختلاف الحوادث والأفكار والمناسبات واختلاف وسائل الإقناع والدعاية والتأثير ، إلاَّ أنها فى جوهرها شئ واحد ، تتلخص فى استطلاع الأسرار والخفايا ، وتسخير سلطان المال لاستغلال الحركات الاجتماعية والعلاقات الشخصية بذوى النفوذ ، والاتجاه بها إلى ما يحقق مصالحها وأغراضها .

     ويجمع بين هذه الأساليب على اختلاف صورها ، أنها أساليب هدم وغش وتضليل ،
ولا تقبل التنازل عن احتكارها
« الإله » لنفسها والإيمان بأنه « إله » إسرائيل كما يدعونه فى صلواتهم ، وليس للأمم الأخرى حظ من رضاه . شأنهم شأن الورثة أصحاب الميراث الذين لا يقبلون لهم شريكا فيه .

     ولم تستطع الصهيونية العالمية أن تسود بغير الخداع والتضليل ، لأنها لا تملك سلطان قوة بالملك والسلاح ، وإنما تعمل بقوة غيرها بسلطان المطامع والمنافع والشهوات من وراء الستار . لهذا تبادر الصهيونية إلى استغلال طوابيرها ونفوذها فى إثارة الفتن
والقلاقل ، وقد اشتركت فعلا فى كل حركة من حركات الهدم والتدمير ، وليس دورها فى الحركة الشيوعية ببعيد ، ويحصى العقاد أدلة ذلك من خلال
« صهيونية » أصحاب التخطيط والقرار والفعل فى الحركة الشيوعية وسفرائها وبوليسها السياسى . ولقد تأسست حكومة إسرائيل فى فلسطين وهم لا ييأسون من تسخير الشيوعية لتأييدها فى المحافل الدولية ، حتى إن بعض المؤرخين هالهم الامتزاج بين الشيوعية والصهيونية حتى ظنوا أن الصهيونية خلقت الثورة البلشفية خلقًا !                            

( يتبع )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *