فى مدينة العـقاد الصهيونية العالمية ـــ (101)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

     سجل التاريخ الأوروبى على اليهود ، أنهم كانت لهم مشاركة فى كل فتنة ، وكل إغارة ، ولكن يعزوها بعض المؤرخين إلى المصادفة لوجودهم فى كل بيئة ، ويعزوها بعضهم إلى شعور النقمة الطبيعى على كل سلطان غاشم ، ويعزوها آخرون إلى التدبير المتعمد لهدم المجتمع المسيحى وتقويضه من داخله .

     ولم يكن شعور اليهود نحو بيت المقدس خلال هذه القرون ـ لم يكن تجاوز شعور الحنين إلى مجد قديم ، وقد اتفق فى بعض السنين أن اتجه اليهود والمسيحيون إلى بيت المقدس ، على أثر الإشاعات « الفلكية » التى يزعمها أناس من المتحمسين لعودة المسيح ـ عليه السلام ، فتكثر معها الهجرة إلى المشرق على اعتقاد المهاجرين جميعًا أن الدنيا
« تنتهى » بهذه « العودة الموعودة » ، ولم تكن فكرة الوطن القومى داخلة فى هذا الاعتقاد ، بل كان من المسيحيين من يرى أن « إرتداد اليهود » عن كفرهم بالديانة المسيحية
ـ شرطٌ لقيام الساعة ، فلا أمل لهم قبل ذلك اليوم الموعود .

     لم يكن لفكرة الوطن القومى وجود ، وإنما بزغت لاحقًا مع الاستعمار !

     كان العصر عصر الصناعة الكبرى وعصر الاستعمار ، ولا يخفى أن الاستعمار بدأ بالتجارة ، وأن طريق الهند كان أهم طرق التجارة فى العالم القديم ، ومن ثم كثر الاهتمام بفلسطين ومصر ، وارتفع صوت اليهود فى المجامع الدولية لاتصالهم بالتجارة وبهذه البلاد ، واشتبكت مسألة القروض بمطامع المستعمرين فى أقطار الدولة العثمانية ومنها فلسطين ، فبدأ النظر إلى جعل مطالب اليهود فى خدمة السياسية والاستعمار .

     وقد آثار القرن التاسع عشر مسألتين : أولاهما مسألة القومية اليهودية لليهود الذين يكثرون فى دول مثل بولونيا ورومانيا وأسبانيا وهولندا ، فخطر لليهود أن يطالبوا لهذه القومية بوطن تساعدهم الدول على احتلاله .

     أما المسألة الثانية ، فهى مسألة المساواة فى الحقوق العامة ، وكان من نتائجها اعتراف بعض الأمم لليهود بالمساواة بينهم وبين غيرهم من أبنائها .

     وفى ذات الوقت اعترضت أمم على اعتبار اليهود من مواطنيها ، لأن الوطنية لا تقبل الولاء لوطنين اثنين ! وكان اليهود قد بدأوا فى المطالبة بوطن قومى دون أن يحددوا مكانه ولبثوا مترددين لفترة فى اختيار موقع فى « أوغندة » بأفريقيا ، أو أحد الأقاليم « الخالية » فى الولايات المتحدة الأمريكية ، أو « بقعة » من البقاع على البحر الأسود بين روسيا والبلقان .

     وظلت فكرة الوطن القومى ، أو فكرة الدولة اليهودية ، كالسحاب الذى يتشكل على حسب أوهام الناظرين إليه ، حتى آذن القرن ( قبل الماضى ) بالانتهاء ، فتبلورت الفكرة فى مؤتمر « بال » أو « بازل » سنة 1897 ، ثم تم لاحقًا تشكيلها بوعد بلفور بعد عشرين سنة .

     ومنذ وعد بلفور وانتداب بريطانيا العظمى لإدارة فلسطين ، دخلت الصهيونية فى دور العمل السياسى النافذ ، وقد خيل إلى البعض أن الوعد منتزع أو مغصوب بحكم الضرورات الحربية التى لازمت الحرب العالمية الأولى ، ولكنه فى الواقع جزءٌ من سياسةٍ عامة تتناول الشرق الأدنى برمته ومنه فلسطين وسائر البلاد العربية ، وهذا الوعد جزءٌ مقابل لوعود أخرى بذلت للأمراء فى بلاد العرب التى خرجت من حكم الدولة العثمانية !

     ومن المهم الواجب على الدوام , تذكر المناورات السياسية التى أدت إلى إقامة إسرائيل , والواقع المحقق فى مسألة الصهيونية أن الصهاينة يستغلون الدول ، والدول تستغلهم . وهذا يقودنا إلى العامل المهم فى بناء الصهيونية أو انحسارها فى فلسطين ـ إنما يتوقف فى نهاية المطاف على إرادة الأمم العربية . ولن تستمر الصهيونية بالشرق الأدنى إلاَّ إذا أرادت لها أمم العرب أن تدوم !!!

الصهيونية العالمية

     والصهيونية العالمية حقيقة واقعة .. تمثل الآن قوة فعلية موجودة بأعمالها وآثارها .. موجودة بدعايتها وأخبارها .. بمقاصدها وغاياتها .. وهى تنتظم فئات من البشر عرفوا منذ أقدم عصور التاريخ ، وفى كافة كتب الشرائع ، بالغلظة والقسوة .. والتمرد والعصيان .. لم يعرفوا فى تاريخهم الطويل شيئًا يسمى بالولاء أو الإخلاص فى الطاعة لمن يتولى شئونهم .. حتى أنبياءهم .. ذاقوا منهم الأمرين .. وعانوا من غلظتهم وشكاستهم .. وفى كافة المجتمعات التى عاشوا فيها ظهرت عزلتهم وتحزبهم .. وانفرادهم فى الإقامة بأماكن وأحياء خاصة .. وظهر اتفاقهم على ابتزاز أموال الأمة التى يرتعون فى كنفها ، واستباحة أرزاقها .. جشعًا ، واستغلالاً .. يستعينون على ذلك بطوابيرهم الخامسة التى تدبر لهم أمورهم فى كل دولة وفى كل ميدان .. وتعمل ـ سرًا من وراء الأستار .. يغذيها تعصب مقيت بث فى نفوسهم كراهية وحقدًا على العالم أجمع .

     ومع هذا كله , فإن قوة تنظيمهم , وأساليبهم الخاصة ـ لم تكن وحدها لتكفى لبلوغ ما بلغوه فى فلسطين .. لولا مساعدة قوى المصالح الاستعمارية ، والمتعصبين ضد العرب وضد الإسلام والمسلمين ..

     اتفق أصحاب النظر ، بما فيهم يهود ، ومنهم « ماكس نوردو » كما مر بنا فى مقالات العقاد عنه ـ اتفقوا على أن إقامة إسرائيل على أرض فلسطين العربية ، لم تكن محض حب للصهيونية أو الصهاينة ، وإنما لتوافق الأغراض والمصالح ، فضلاً عن كراهة قديمة لدى الغرب للإسلام وبنى الإسلام والمسلمين ، وقد تحدث العقاد عن بعض ذلك فى كتابه « ما يقال عن الإسلام » (كتاب الهلال 1966) ، وأوردته تفصيلاً الكاتبة البريطانية « كارين أرمسترونج » ، وهى راهبة سابقة وباحثة فى تاريخ الأديان ، فى كتابها « محمد سيرة النبى » ، الصادر بالإنجليزية فى نيويورك سنة 1992 ، وترجمه إلى العربية الدكتوران محمد عنانى وفاطمة نصر ، وكشفت فيه المؤلفة تراكمات وجذور المغالطات التى سادت فى الغرب من قديم ، وشكلت منظور كثير من الغربيين عن الإسلام ورسوله . ( ويمكن لمن يحب الاستزاده أن يرجع إلى الكتاب أومقالاتى عنه بالأهرام 12 ، 26/6/2008 , أو بكتابى « بين شجون الوطن وعطر الأحباب » ( ص184 ـ 195) .           ( يتبع )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *