فى مدينة العـقاد الصهيونية العالمية ـــ (100)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

     كتاب الصهيونية العالمية , أحد ثلاثة أعمال للعقاد ظهرت أولا فى أحاديث للإذاعة المصرية قبل أن تلتقى حروفها بالمطبعة لتظهر فى كتب تكون فى تناول القارئ حين يشاء , ولا تذهب فى الهواء كما تطير الأعمال الإذاعية التى تتفوق فى مدى الذيوع و الانتشار على الأعمال المكتوبة , فهى مجانية الاستقبال والتلقى , تسمع فى كل وقت ومكان , وتصافح المستمعين فى المدن والقرى , وفى الصحارى والحقول , وفى المنحنيات والمرتفعات والمنخفضات , وفى وسائل المواصلات , وفى أى حال يكون المستمع عليها , وتتواصل معه بلا منافس . بيد أنه يصعب حفظها ويستعصى إعادة استحضارها إذا ما فات وقت إذاعتها , لذلك كانت العناية بحفظ موادها كتابةً لتأمن من الضياع , ولتكون فى متناول الرجوع إليها لأى غرض , وفى أى وقت .

       ربما كانت أحاديث « النازية والأديان » هى أول أحاديث الأستاذ العقاد للإذاعة , فقد أذيعت سنة 1940 , قبل أن يكتب بعدها كتابه « هتلر فى الميزان » , وله أحاديث أخرى متنوعة لا أعرف زمن إذاعتها حيث لا تُصْدر الإذاعة سجلاًّ بالأعمال الكبرى والأحاديث المهمة التى بثتها , وإن كنا نعرف أنها ضُمت فى كتاب بعنوان « على الأثير » صدرت طبعته الأولى بالقاهرة سنة 1947 , وأعادت دار المعارف طبعه سنة 1985 , مما يشير إلى أنها تلت فى البث أحاديث « النازية والأديان » .

     أما أحاديث الأستاذ العقاد عن « الصهيونية العالمية » , فلا أعرف على التحقيق متى بثت على موجات الإذاعة المصرية , وإن تواتر أنها بثت فى خمسينيات القرن الماضى , ومن المؤكد أن ذلك كان قبل عام 1956 , العام الذى صدرت فيه الطبعة الأولى لكتاب « الصهيونية العالمية » .

       ويقع كتاب الصهيونية العالمية فى أربعة وعشرين فصلاً مذيلة ببروتوكولات حكماء صهيون , وضمت فصوله أبحاثًا عميقة عن الصهيونية فى نشأتها وتطوراتها , وفى الكثير من اتجاهاتها ودعاويها وأغراضها ومجالاتها , والوسائل التى تسلكها فى تحقيق أغراضها , والطوابير الخامسة التى ترتبها فى ميادين السياسة والاقتصاد والثقافة والدعاية والإعلام , وفى السياسة الشرقية , وسيطرتها على الصحف العالمية وشركات الإعلان والنشر والتوزيع , وعنايتها المستمرة باستغلال المراكز العالمية ذات التأثير والنفوذ , وتكريس العلاقات المتنوعة برجال الحكم والمال وأصحاب النفوذ , ودورها والاستعمار , ومصيرها فى أعين الصهاينة , وفى أعين أصدقائها , وما يتنبأ به العقاد من نهاية محتومة لهذه الحركة العنصرية .

     ومع أن هذه الدراسة وضعت فى منتصف القرن الماضى , والكيان الإسرائيلى لا يزال يحبو بعد حرب 1948 , إلاَّ أن الأستاذ العقاد تخطى بثاقب فكره وعمق نظره حدود الزمن الذى تحدث وكتب فيه , ويكاد ما توقعه أن يكون جاريًا الآن على الساحة المحلية والإقليمية والعالمية , ويحمل إلينا تنبؤات لا يحسر نفاذ بصيرتها ما قطعته الصهيونية حتى الآن من أشواط !

       الفصول الثلاثة الأولى للكتاب , ترصد تاريخ الصهيونية , فتنفى فى البداية مظنة البعض أنها حركة دينية قديمة , أو أنها مرتبطة ـ فيما تدعى ـ بما ورد من وعود للخليل إبراهيم عليه السلام . فالواقع أنها ليست حركة دينية , وليست قديمة فى بنى إسرائيل أنفسهم , وإنما هى حركة « سياسية » تحاول أن تتواصل مع قيام وسقوط الدولة فى بيت داود . يقول العقاد :

     « فغاية ما بلغه إبراهيم عليه السلام تحت قمة صهيون , أنه اشترى قبرًا هناك بالمال كما جاء فى الأصحاح الثالث والعشرين من سفر التكوين فى العقد القديم .

       « ومضت القرون بعد إبراهيم إلى عهد موسى عليه السلام . ثم مضت القرون بعد موسى والحال على ما كانت عليه , وبقيت مدينة بيت المقدس فى أيدى اليبوسيين , وجاء فى سفر القضاة من العهد القديم أن بنى بنيامين كانوا يسكنون مع اليبوسيين , ولا يدعون معهم حقًا فى المدينة , ثم أغار بنو يهودا عليها فدمروها وأحرقوها , ولم يخطر لهم أن يتخذوا فيها مقامًا ذا قداسة عندهم أو غير ذى قداسة . وعاد إليها اليبوسيون فجددوها وأقاموا فيها إلى أن تولاها داوود , وخلفه سليمان فبنى فيها الهيكل المشهور . ولم يتفق اليهود أنفسهم على قداستها بعد قيام الهيكل فيها . »

     وكلمة « صهيون » نفسها لا يوجد لها أصل متفق عليه فى اللغة العبرية , ويرجح أكثر الشراح أنها عربية الأصل , وأنها من مادة الصون والتحصين . وتكتب فى العبرية تارة بالسين وتارة بالزاى , ولم يحرص عليها اليهود بعد دخولها فى قاموسهم , إلاَّ لدى السبي البابلى حيث صار الحنين إلى صهيون رمزًا إلى عودة المملكة الغابرة التى أقاموها على الغزو والتقتيل , وحولوا الوعود إلى إبراهيم الذى أعقب إسماعيل وإسحق , ليحصروها لمصالح السياسة فى ذرية داود ليخرج منها غير اليهود ! ولا شأن لهذا الذى اصطنعوه بالعقيدة الدينية التى تشمل جميع سلالة إبراهيم .

     وفى الأسر البابلى تعلم اليهود بقايا الديانة القديمة وما احتوته من بشائر عن عودة
« مردخ » إلى الأرض , وعودة رسول النور كل ألف سنة لإصلاح فسادها , فتعلقت آمالهم بعودة المملكة على يد أبطال الغيب .

     ولما بعث المسيح ـ عليه السلام ـ أنكر كهان الهيكل بعثته , واحتجوا عليه بوعد إبراهيم , فقال لهم إن أبناء إبراهيم « بالروح » هم الموعودون بالخلاص , فكل من آمن بدينه ( الحنيف ) فهو من أبنائه , ولا فرق بين يهودى ويونانى , فرب الجميع واحد .

     وتابع الأستاذ العقاد بحثه التاريخى الدقيق , من قبل الميلاد إلى الميلاد وحتى القرن التاسع عشر , والأمور تجرى دون أن يطرأ جديد على « الصهيونية » .. وكان اليهود يعيثون فى أرجاء « الدولة الرومانية » بين أناس يخالفونهم العقيدة , وكانوا يعزلون أنفسهم عن المجتمع باختيارهم , وينشئون فى أرجاء الدولة مراكز متفرقة للمعاملات التجارية وشئون الصيرفة ومبادلة السلع والنقود , يحدوها استغلال ما حولها , مما كان سببًا لنقمة الفقراء والأغنياء على السواء .

     وكلما كثرت الحروب , زاد اقتناع أبناء الأمم المختلفة أن الشعب المسمى « اليهود » متفق عليهم , بتفاهم بين أبنائه على ابتزازهم واستباحة أرزاقهم وأموالهم .

     ولم تتغير هذه الأوضاع مع زيادة انتشار المسيحية فى أمم الغرب , بل جَدَّ عليها سبب مفهوم للتقاطع بين اليهود والمسيحيين , وهو عداء اليهود للسيد المسيح , فعاش اليهود بالغرب فى عزلتهم , وتعرضوا بسببها لتهم وشبهات كثيرة , حتى شاع عنهم فى أيام الوباء أنهم الذين يسممون الماء والطعام !                  ( يتبع )

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *