فى مدينة العـقاد كتاب هتلر فى الميزان ـــ (99)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

تقرب النازيون فى عرض حججهم إلى الشرقيين بغير الحجج التى تقدموا بها إلى الأمم الأخرى ، وفاتتهم المصداقية فى هذه وتلك ، وخلص العقاد من عرض تهافت حججهم إلى النظر فى بداية قضية الحرية الإنسانية التى يتذرع بها النازيون وهم يضربونها فى مقتل . ويحاولون أن يصوروا للعالم أن الديمقراطية فشلت ، وهو زعم كاذب لم تنجح النازية فى إقامة الدليل عليه ، وطفق العقاد يبين الفوارق بين الديمقراطية وبين النازية التى تنكرها وتعاديها ، لينتقل إلى إثبات إخفاق النازية فى المشكلات التى حاولت علاجها ، ومن ذلك إخفاقها فى معالجة « البطالة » ، وسقم معالجتها « بتشغيل » العاطلين جنودًا فى الجيش ، ورقباء فى ديوان الجاسوسية ، وعمالاً فى صناعة الأسلحة والذخيرة لتموين آلة الحرب التى بادت فى النهاية بالخسران ، بعد أن استنفدت ثروة الألمان فى الطائرات والمدافع والدبابات والغواصات ، ونحن نعرف هذه النتائج بما آلت إليه الحرب بعد خمس سنوات من كتاب العقاد عن هتلر ، فجاءت نتيجتها مصداقًا لما قدره العقاد من سنوات .

وبعد مناقشة مستفيضة للعناصر التى اعتمدت عليها النازية : النظام ، والصحة ، والتربية ، والبيئة ـ انتقل العقاد من قضية اليوم إلى قضية الغد ، فرأى أنه كان أحجى بهذه القضية أن تكون قضية أمس أو أمس الأول ، وقد قيل إن الساسة يتخلفون عن عصورهم ثلاثين سنة .. لأنهم يقيسون أفكارهم فى زمن ثم يتولون الحكم فى زمن آخر لاحق ، ليعرج إلى انتقاد الدول كبيرها وصغيرها التى اتخذت موقفًا مائعًا من أطماع هتلر ، فلو أنها أجمعت من البدايات على إنذاره بالحرب لو رفض خطة التفاهم فى المشكلة البولونية ـ لكان ذلك حريًّا بأن يثنيه عن الحرب !
وطفق العقاد يستعرض أحوال العالم وخطط دوله ، لينتهى إلى الأحوال فى مصر ، وما جعل يدور فى مجلس النواب ، والحكومة ، والسراى ، والموقف الذى على مصر أن تتخذه من الحرب الجارية ، وما هو الصف الذى يجب أن تقف فيه إذا كان لا بد لها من الوقوف مع أحد الفريقين .. وما هو الصف الأكرم لها أن تقف فيه ، إذ لا حاجة لها ولا مأرب للدخول والاشتراك فى صف المعتدين ، ومن الأكرم لها تأييد الديمقراطية ومبادئ التفاهم بين الشعوب والإيمان بقداسة المواثيق والعهود .

أما العبرة لنا نحن المصريين من هذا الكتاب الأول ، فيرى العقاد أنها فى تقويم هتلر ووزن مزاياه بالميزان الوحيد الفارق بين الإنسانية والوحشية ، واتقاء الإعجاب الخاطئ بالغلو والوحشية ، فهى لا يليق بضمائر الأحرار .
وعبرة أخرى هى التيقظ للدعوات التى من قبيل الدعوة الهتلرية كلما ظهر لها مروجون فى السياسة المصرية ، ويلمح العقاد بذلك إلى من أعجبوا بموسولينى وشطحاته وكتبوا فيه قصائد المديح ( مصر الفتاة وفتحى رضوان الذى ألف كتابًا فى الإعجاب بموسولينى ) ، فالخطر الكبير على الأمم إنما يأتى من أمثال هؤلاء ، فإذا عرفنا أن هتلر رجل متهم العقل متهم الضمير مقسم الرأى والهوى بين الجنون والإجرام ـ وجب الحذر قبل أن يشتعل الحريق فى مخزن البارود بعود ثقاب !

العبرة الكبرى فيما يقول ، فوق كل عبرة وبعد كل عبرة ، أن نصحح مقاييسنا للحوادث والرجال . فإن الإنسان يطلب جودة النظر لأنها جودة النظر ، قبل أن يطلبها لما قد تجزيه من نفع أو وقاية ، ولا يزال يطلبها ويحرص عليها ولو استغنى عن المنافع والوقايات .

ويقول الأستاذ العقاد فى الختام ، إنه يكتب هذه السطور ورحى الحرب تدور ولا يعلم أحد أين يرتمى اللباب وأين ترتمى القشور ، غير أن الرجاء معلق بغلبة القوة المحقة الصابرة على القدرة البائسة التى تظهر فى هجمات هتلر رغم ما يحرزه .وتدل الشواهد على أنه لن يصبر على هذه الحرب التى أثارها ، وأنه من علامات الخير أن تفشل هجماته فيتاح للمدافعين عزل الفرق النازية والانتصار عليها بعد قطع إمداداتها وطرق اتصالها . ويوم تحبط هذه التجربة النازية ستكون أصدق نذير بهزيمة الدولة النازية حتى وإن طالت الأيام , ولعلها لا تطول . فالله يأبى لهذا العالم الذى أعيا الفاتحين من جبابرة التاريخ , أن تحكمه عصابة من المغامرين والأفاقين !

يبقى أن ما كتبه العقاد كان فى بدايات الحرب العالمية الثانية , وامتدت الحرب بعده لخمس سنوات طويلة , والذى أدهشنى حقيقةً , أن الأستاذ العقاد لم يَعُدْ للكتابة عن هتلر والنازية وألمانيا بعد انتهاء الحرب فى سبتمبر 1945 , أى بعد خمس سنوات طوال مليئة بالأحداث الجسام منذ كتابه عن هتلر سنة 1940 , ولست أشك فى أن العقاد بسعة إطلاعه وشغفه للمعرفة قد قرأ كثيرًا مما كتب عن الحرب العالمية الثانية , مسارها وأحداثها وما أفضت إليه , وأن ما اطلع عليه وأفرزته الحرب كان حقيقًا بأن يستكمل به كتابه عن هتلر والنازية وألمانيا لتكتمل الصورة وتستوى الاستخلاصات التى ظنى أن مشهد النهاية كان من أعمق العبر فيها !

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *