فى مدينة العـقاد كتاب هتلر فى الميزان ـــ (98)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

   كانت عبقرية هتلر الحقيقية ، هى فى إدراك الجماهير ومراوغات السياسة ، وهو إدراك بمعزل عن الاطلاع وعن الخبرة المألوفة التى تضيف ، وكانت هذه العبقرية ـ السياسية أو الشعبية ـ تتسم بالحماسة إن لم تكن الإهاجة ، وفى أسلوب أتقنه هتلر وإن كان هذا هو الذى أورده وأورد بلده فى النهاية موارد التهلكة !

       لقد توقف الأستاذ العقاد طويلاً ، شارحًا ومدلِّلاً، عند شهوة هتلر ومقدرته الخطابية ، حتى غدا كالبوق الذى ينفخ فى الجماهير أو يردد صداها ، حتى لا تكاد تحصى له مواقف ذات بال قائمة على الفهم والحوار ، وعلى العكس كانت خطبه وإثاراته الحماسية بغير حدٍّ ! وقد قيل إنه يكره مواقف المفاوضة والتفاهم لأنها كانت تطلعه على عجزه ، وبدا أن الرجل مفطور على عاطفة يساجل بها العواطف ، يغضب أو يتقن الغضب ، مثلما يفلح فى تحريك غضب الجماهير !

سيماه !

     كان العصر الذى ظهر فيه هتلر ، عصر الزعماء .. شهد فى الشرق زعماء من طراز سعد زغلول ومصطفى كمال ( أتاتورك ) وغاندى وغيرهم ، وشهد فى الغرب زعماء من طراز « دى فاليرا » و « موسولينى » و « لينين » و « شيانج كاى شيك » وغيرهم .. لكل منهم طلعته وسماته الشخصية التى تصب فى النهاية فى أنه يأمر فيطاع .

     بيد نه أعيا المتأملين سرّ « زعامة » هتلر ، ولماذا كان يستهوى الجماهير ، وما الذى كان فيه يعوضه عن طلعة وهيبة الزعماء ؟!

     ويرى الأستاذ العقاد أن السرَّ يكمن فى أنه « نموذج مكبَّر » من جماهير النازيين ، فصادف هوى سامعيه المتلقين عنه . ففيه كانت خصال رجل الشارع ضخمة ومجسدة ، وكان فى الواقع « شخصية مسرحية » تلمس الفارق بينها وبين شخصيات مثل
« بسمارك » أو « هندنبرج » ، أو « مولتكة » من أصحاب القيادة السياسية والحربية فى أمة الألمان .

     ويرى البعض أنه كان من سماته ، قدرته على خداع نفسه وإقناعها ، فساعده ذلك على إضرام عواطفه وإثارة وإقناع شعبه بما يريدهم على تصديقه ! وهو أبدًا شخصٌ يرتدى قناعًا من صنع خياله ، ومن المحال أن تجد فيه سمة من سمات الزعماء الذين عرفهم العالم فى زمانه !

*         *         *

       تحدث العقاد عن أصحابه وما لاقوه منه ، واستقطر فحوى ما قدمه عن هتلر ـ فى أنه « رجل أ مدخول الطبيعة » ، لم تؤهله للخير وراثته ولا نشأته ، ولا صلة أرحام بينه وبين أهله ، ولا صلة مودة بينه وبين صحبه ، ولا قدرة على كسب عيشه ، ولا النجاح والتوفيق فى الفنون الجميلة التى ظن هو أنه مستعد لها بطبعه ، ولا كان فيه الغرائز والعواطف التى ركَّبها الله فى تكوين كل ذكر وأنثى .

 

قضية اليوم !

 

     فإذا كان هذا وجيز قدر هتلر فى الميزان , فما هى قضية اليوم التى يعرضها النازيون على العالم للفصل فيها ؟ وأين هى مصلحة العالم من طرفى القضية والحرب التى أثارها هتلر والنازيون ؟!

     إن هتلر يعرض على العالم ما يعتبره قضية الطغيان والحرية الإنسانية , أو قضية الإيمان بالسلاح وحده أو الإيمان بشئ من الحياة وفى الحضارة غير السلاح .

     بيد أن هتلر لا يحدد تحديدًا بماذا يؤمن , وعلى أى معيار يسير , فهو لا يؤمن بالسلاح وحده تارة , ويؤمن به وحده تارات أخرى , ويكفر به أحيانا ويلقيه جانبًا ويعترف ـ ولو ظاهريًّا ! ـ بالحقوق والحرمات !

     وثابت مما سلف من أمره , أنه عمل للحرب وجمع لها عدتها , على خلاف من يستهدفهم بها , فلم يجمعوا للحرب مثل ما جمعه !

   وهتلر يقول كاذبًا للعالم إنه ينشد حرية وحقوق الإنسان , وضمان الرأى والروح , ويسأل العالم أن يعطيه الحرمات والحقوق ، ولأن ألمانيا مهضومة الحرمات والحقوق !

     ولكن هتلر يكذب ويلغو , وواضح أن العالم لن يستريح أو يطمئن مع هذه السطوة الهتلرية والدولة النازية !

       وصارت القضية هى المفاضلة بين خروج ألمانيا من الحرب منصورة , وهزيمة
العالم !

     أم نجاة العالم مما يريده هتلر وألمانيا النازية من افتئات على الأمم والشعوب ؟!

 (يتبع)

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *