فى مدينة العـقاد كتاب هتلر فى الميزان ـــ (97)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال الإسبوعى

   استطرد العقاد فى قراءة نفسية وصفات هتلر ، فذكر أن أتباعه يستدلون على « شجاعته » بحصوله على نوط الصليب الحديدى ، من الطبقة الأولى فى رواية ، ومن الطبقة الثانية فى رواية أخرى .

     ويذكر العقاد أن الرواية التى يستشهد بها أتباعه عن سبب منحه النوط لم تثبت قط فى سجل من سجلات الحرب الألمانية بالحرب العالمية الأولى ، بل وثبت أن الإصابة التى كان قد أصيب بها « كمراسلة » قبل انتهاء الحرب ، كانت أهون بكثير من الأخطار التى تعرض لها غيره . وربما كان فى قصص هتلر عن الحرب العظمى أكاذيب كثيرة لا أكذوبة واحدة أو اثنتان ، بينما ثابت فى سجلات المحاكم وبشهادة الشهود « واقعة ميونيخ » التى حاول بها إسقاط الحكومة ثم صدمته طلقات الحراس فلاذ بالفرار ، بينما أصيب سواه ، ولم يصب هو إلاَّ بخلع فى كتفه من سقوطه أثناء الجرى ، وثابت أنه بمجرد لحاقه بسيارة ركبها وحده وطلب انطلاقها دون أن ينتظر إنقاذ من أصيبوا من زملائه فى تلك المخاطرة ! ويروى أنه حينما أراد الإفلات من تعيير خصومه وتبكيته على فراره ، اصطنع قصة تتعارض تعارضًا صارخًا مع كتفه المخلوع فى ذلك اليوم !

     ومع إقرار العقاد بأن « مبلغ الصدق » فى خُلُق السياسيين لا يقاس بالمعايير العادية : هل كذبوا أم صدقوا ؟ وإنما يكون السؤال عن ماذا كلفه الكذب ، ومدى أسلوبه فيه وقبوله له ، فإن الرجوع إلى هذا « القياس » يكشف عن أن هتلر كان يكذب كما يكرع من شراب لذيذ ، وطفق العقاد يحصى عليه بعض المشهور من أكاذيبه ، من ذلك أنه حينما أكد للأمة الألمانية أنه فى غنى عن تكرار « مذابح برتلماس » اكتفاء بأحكام القضاء ، أدار الذبح فى خصومه بل وفى أنصاره بغير تحقيق ولا محاكمة ولا إعلان أسباب !

     وفى الواقع لا موجب لإحصاء أكاذيبه ، فقد أعلن بلسانه أن شريعة الكذب هى إنجيل دعوته ، حين قال : « إن الألمانى لا يدرك على الإطلاق أن الأمة لابد أن تخدع وتُضَلَّل للظفر بإخلاص الدهماء » ، وحين قال « إن من دواعى تصديق الأكذوبة مبلغ ضخامتها !» .. فهتلر رجل يستمرئ الكذب غير مقتصدٍ فيه وغير مبال بعواقبه !

غرابة أطواره

     المقياس الصحيح لمعرفة سواء أو غرابة الأطوار ، لا يكمن فى الأشياء التى يُراد عليها الإنسان ويساق إليها ، فهى صادرة من غيره . وإنما تنكشف دخائله وأطواره مما يريده وفق مشيئته وما يتمناه . وهنا تبدو غرابة هتلر وغرابة أطواره فى كل شىء .. فى مسكنه ومطعمه وفرجته وسلواه . ويبدو أن عقل هتلر كان موزعًا بين النور والظلام ، وبين صحوة الواقع وغياهب الأحلام والأوهام !

     ولا يقصر العقاد فى إيراد أدلته ، فيتتبع المشهور الموثق من الحوادث التى تثبت غرابة أطواره ، ومن أشهر هذه الوقائع ما عرف بذيول « اتفاق ميونيخ » ، واستخلصها العقاد فيما لا يتسع له هذا المقام ، وهى موجودة بالكتاب وأوسع منها ما رواه السياسى الإنجليزى الأريب ونستون تشرشل فى موسوعته عن الحرب العالمية الثانية.

     ومن مفارقات غرابة أطواره ، البساطة البسيطة فى الكساء ، والفخامة الفخيمة فى بناء الصوامع والقصور . ولكن المفارقتين فرعان لجذع واحد : هو الغرور والادعاء ! فالرجل ناشز فى تبسطه وإغرابه ، هارب من الواقع فيما يدعيه وفيما لا يدعيه .

*           *           *

     واستقصاءً للكفاءة الذهنية ، بدأ العقاد بأن المشهور أن الزعماء السياسيين لا يكتبون أو يعملون شخصيًّا كل ما يصدر عنهم أو يُنْسب إليهم ، ولم يكن هتلر استثناء من هذه القاعدة ، وقد يختلف البعض فيما هو لهتلر وما هو ـ مثلاً ـ لمكتب التنفيذ الذى كان يرأسه « سبير Speer » فى برلين ، وكان هو المكتب المعنى بوضع الرسوم وترجمة الخواطر ، إلاَّ أن الحاسم فى المسألة أن هتلر لم يكن صاحب « كفاءة فنية » ، وأن ما يدعيه من مواهب التصوير والبناء لا يعدو الطبقة الوسطى بحال ، ومن خصائص هتلر أنك لا تجد فيه صفةً واحدةً « خالصة » للعظمة وصحو العقل والطبيعة ، وبين الهبوط والرجحان .

     ومن اللافت أن الأستاذ العقاد جمع أمثلة عديدة ثابتة تشهد على هتلر بالرأى الذى استخلصه فى إمكانياته الشخصية ، ولكنه يسجل أن الرجل فى اعتقاده لا يخلو من عبقرية وهبة ذهنية ، ولكن يجب الاحتراس فى فهم معناها وحدودها ، ومنها أنه لا يلزم أن تكون الفكرة العبقرية « أحسن » فكرة من قبيلها ، فقد يكون هناك من الأفكار ما يبزها ويرجحها ، والعبقرية تضلل من يراقبها أشد التضليل ، لأنها تفاجئه بالمتناقضات وما هى فى باطن الأمر بالمتناقضات ، فالعبقرية شخصية ، والعبقرية طلاقة من القيود ، وكل ما يصدر عن العبقرى فيه مسحة من لوازمه الشخصية ، وهو فى ذات الوقت خارج فيه عن القيود ، وهنا يظهر تناقض قد يكون وراءه « مفتاح الشخصية » ، وهو ما يتسع فيه النظر لاستطلاع معالم هذه الشخصية العجيبة !                     (يتبع)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *