فى مدينة العـقاد كتاب هتلر فى الميزان ـــ (96)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

     من أخطر فصول كتاب العقاد تعريةً لهتلر , الفصل الثالث الذى عقده عن نفسيته , وفيه تقصى ما كتبه الأطباء النفسيون سواء فى تقاريرهم المكتوبة عنه لدى إيداعه السجن إثر الانقلاب الفاشل الذى كان قد حاوله فى نوفمبر 1923 , أم فى نظر من تصدى منهم لدراسة وتحليل شخصيته , ففى رأى بعضهم أن هتلر مصاب « بالشيزوفرينيا » , وهى مرض ازدواج الشخصية , وقد ينشأ عن الوراثة أو من فرط نشاط فى الغدة الدرقية على نحو يغلب فى النساء المريضات , وإليه يرجع اهتياج الشعور وطغيان الحس . يظاهر هذا النظر أنه لوحظ على هتلر كثير من عوارض الأنوثة فى تعارضات الشعور بين البكاء والمرح , أو الغضب والروية , أو الصخب والهدوء , ومن بعض اهتماماته ومشاعره , وقلة العضل فى تكوين أعضائه . ومن عوارض الشخصية المزدوجة تناقض الفكر والشعور والرأى والسلوك .

     وأشار العقاد أيضا إلى بحث نشرته مجلة « المبضع » الطبية فى أوائل 1940 , عن الهستيريا النفسية وعوارضها وعلاماتها , وربطها فى الخيال والحدس بين الأفكار الشتى بروابط غريبة وسطحية , وتشوفها إلى الثناء وتعلقها بدواعى الغرور ونهمها للفت الأنظار إليها .

     أما الدكتور « برنشتينرBrinsteiner » الذى إمتحن هتلر فى السجن , فقد نقل عنه العقاد أنه فى تقريره نفى عنه المرض العقلى وبوادر الجنون , وأن ما صدر عنه فى الانقلاب الفاشل يسهل رده إلى اختلال العقل واضطراب ميزان التفكير .

     وعلى خلاف ذلك , يرى الدكتور « ماكس فون جروبر Max von grober » الأستاذ بجامعة ميونيخ , أن تعبيرات وجه هتلر لا تدل على أنه يملك زمام شعوره , بل فيها دلالة على اضطراب واهتياج .

       ولمدرسة التحليل النفسى على مذهب فرويد , كلمة فى مزاج هتلر وتركيب عقله وسريرة أخلاقه , ومنهم من يقول إنه رجل « مكبوت الغرائز الجنسية » لعلة فى تكوينه لها دلالات بعدم زواجه وعدم التعرف له على صلة مألوفة بالنساء , وهذا ما يفسر حبه للسطوة والقسوة منطلقًا من غرائزه المكبوته .

     ومن هذه المدرسة من يرى أنه نشأ « مضطرب الأهواء » لتباين معاملته بالتدليل من أمه والشدة من أبيه , ومن هنا ما لوحظ عليه من أنه لا يطيق المعارضة وينتظر التملق والموافقة .

       ومنهم من يضيف إلى هذا وذاك أن محنة الفقر والتشرد فى الشباب الباكر ـ قطعت ما بينه وبين الناس من رحم ومحبة وعودته سوء الظن وضعف الثقة بالمودة والوفاء . ومنهم من أرجع بعض صفاته إلى الوراثة من والديه , وأبيه خاصة , ولاحظ بعضهم أنه على إفاضته فى أخبار صباه , يقتضب الكلام اقْتضابًا عن أبيه وأهله , ولايرتاح إلى هذه السيرة , مما ينبئ عن سر مجهول قد يُعزى إليه اختلال الغريزة الجنسية واهتياج الدماغ !

*             *             *

     لم يكتف العقاد بآراء وتقارير الأطباء النفسيين من أهل الاختصاص , وإنما مضى ينقب هل فى سيرته ما يزكى هذه التحليلات , وعلى ذلك مضى العقاد ليستقصى والد هتلر الذى كان ثمرة « غير شرعية » لبنت فلاحة ورجل مجهول , وظل إلى سن الأربعين يُنسب إلى أمه « شيكلجروبر » حتى ترجح الظن فى نسبته إلى من يدعى « جوهان جورج هيدلر » , ثم صُحَّفَ الإسم إلى « هتلر » , وأنه كان مزواجًا , وكانت « كلارا » أم أدولف هى زوجته الثالثة , تزوجها وهو فى نحو الأربعين وهى فى نحو السابعة عشرة , وتراوحت نشأته بين تدليل الأم وشدة قسوة الأب , الذى كان يعانى من نوبات الشلل , وأطلقت الأم على وليدهما أدولف أنه « صريع القمر » , وهى تقارب عندنا كلمة « المجذوب » , وأجمع من عاشروه على نزقه وسرعة بكائه وكثرة هياجه وتقلب أطواره . ومات أبوه وهو يناهز الثانية عشرة , وأصبح عالة على أمه , وسرعان ما أصيب فى معيشة الطواف والتشرد بمرض صدرى أعفاه من الدرس ومن التجنيد , وهو ما صادف رغبته . وحاول الالتحاق بمدرسة الفنون فى عاصمة النمسا فلم يُقْبل , فقنع بالنقش والتخطيط , ولما ماتت أمه وهو فى نحو الثامنة عشرة أوى إلى بيوت الصدقة ومَدَّ يده بالسؤال , واشتغل بنسخ الصور ونقش تذاكر البريد فلم يظفر من هذا العمل بطائل , فعمل فى حمل الحجارة فى العمارات , ولوحظ أن علاقته بالنساء ظلت ولاتزال محفوفة بالغرابة والغموض , فلم يتزوج ولم يعاشر معاشرة الأزواج , وانتحرت بنت أخته التى كانت تعيش معه فى مسكنه , ولا يحمل شغفه بها وانتهاء هذا الشغف بانتحارها ـ لا يحمل دليلا ينفى عن هتلر الزيغ والنشوز , بل فى ذلك ما قد يثبتهما .

     وجملة ما يفهم من أحواله التى خلص إليها العقاد , أنه رجل زائغ الطبيعة , ناضب العاطفة , منقطع الصلة « الشخصية » بينه وبين أبناء جنسه , مستعد للبغضاء والمقت , وليس بمستعد للمودة والوفاء . وأحصى عليه العقاد العشرات ممن انقلب عليهم وقتلهم من أصدقائه بعد أن كان يقول فيهم قصائد المديح , فى الوقت الذى لم يُذكر عنه أنه عفا عن عدو , أو إدخر لصديق بقية من الخير بعد انقلابه عليه , ولا يوجد شاهد واحد يشهد بأنه كان يقسو مضطرًّا , بل كان يبحث عن القسوة وينشدها حيثما أتيحت له للذته وجنوحه
إليها !           (يتبع)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *