فى مدينة العـقاد كتاب هتلر فى الميزان ـــ (95)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

     يرى العقاد أن الأسباب التى أحصاها ، لم تكن وحدها تكفل النجاح لهتلر وجماعة النازيين لدى ألمانيا والأمة الألمانية ، لولا « خلة » راسخة فى الأمة الألمانية تفتح آذانها وأذهانها لقبول مثل هذه الدعوات .

خلة ألمانيا

     لم يكن هتلر لينجح ـ فى اعتقاد العقاد ـ لو كانت دعوته فى غير الألمانيين ، فمع عظمة الأمة الألمانية ونبوغ الفطاحل فيها من الأدباء والشعراء والفلاسفة والعلماء والمخترعين والموسيقيين ، إلاَّ أن التربية السياسية تحتاج إلى شىء آخر غير نبوغ الأفذاذ ، لأنها مسألة مرانة متسلسلة فى بنية الشعب ، تبلغ به فى التربية السياسية مبلغ العادة ، إلاَّ أن هناك قصورًا فى ذلك يرجع إلى أصول تاريخية ، بعضها قديم وبعضها حديث أو قريب من العصر الحديث .

     استقصى العقاد تاريخ القبائل النازية التى لا تعرف الاستقرار فى العصر القديم ، وما صاحب ذلك من القتال والغارات والغنائم ، والعنف والتهديد والاعتداء ، وكانت هذه الخلة شائعة فى كثير من الأمم وهى على حالة البداوة والهمجية ، بيد أن الألمان انتقلوا منها إلى حالة تشبهها ولم ينتقلوا إلى حالة الحكم المسئول والشورى الدستورية كما انتقلت بعض الأمم الأخرى . فخرجوا من همجية البداوة الأولى إلى نظام الإقطاع الذى لا يعرف سوى علاقة الآمر بالمأمور ، ولا يعرف علاقة بين الولايات المتعددة سوى علاقة القاهر بالمقهور.

     وظل الألمان على هذه الحالة ، وتعدد وتكاثر الولايات وانقطاع الوشائج والأرحام ، إلى ما قبل حرب السبعين ، فلم ينقص عدد ولاياتهم عن مائة وسبعين فى أيام الثورة الفرنسية ، ثم انتظموا فى علاقة تشبه الوحدة بالقياس على ما كانوا عليه ، ولكنهم لسوء الحظ وقعوا فى زعامة هى شر الزعامات ، فسلموا الدولة لإمارة لا مزية لها غير وفرة العدد ووفرة السلاح ـ وهى بروسيا آخر القبائل الجرمانية حضارة وأقلها نصيبًا من الأدب
والمروءة ، فسارت بهم على سنتها وباعدت ما بينهم وبين التطور نحو الشورى ومعاملات السلم والمودة ، ولا يجرى فيها سوى أوامر السيد المطاع . ولبثوا على ذلك إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى التى خرجوا منها دولة واحدة قليلة الفواصل والحدود ، فلم تنقض عليهم عشر سنوات حتى انكفأوا إلى نظام المعسكر وأدب الغارة والاغتيال .  

     ومما لا شك فيه ، فى رأى العقاد ، أن تربية الألمان القديمة جعلتهم يأنفون من مفاوضة الأمم الصغيرة ، ويستكبرون أن يجلسوا مع بولونيا أو مع غيرها إلى مائدة واحدة لتبادل الآراء وفض المشكلات ، فقد اعتادوا نظرة العسكرى الذى يعرف إملاء الشروط أو الخضوع لما يمليها ، وتلك الخلة الألمانية معلومة لكبار الأدباء الألمان ، الآريين وغير الآريين . وفى ذلك يقول أديبهم الكبير « جيتى » : « إن أمام أبناء وطننا بضعة قرون أخرى تنصرم قبل أن يترقوا إلى منزلة من الحضارة تجعل الناس يقولون ( أى يعترفون ) إنهم كانوا برابرة من عهد بعيد »

     وقريب من هذه المعانى ما قاله « هينى » أشعر شعرائهم الغنائيين ، ويقول
« نيتشه » نبى القوة عندهم : « الجرمان كالنساء . لا يُسْبر غورهم لأنهم
بلا غور … » .. وقد تألم « جيتى » ألمًا شديدًا من نظره فى هذه الأمور ، وما رأى أنه تناقض بين أفذاذها وحال الأمة ، فقال عن اهتمامها بالتفاصيل دون الشمول ، إنه « يبدو فيها أفراد أجلاء وتبدو هى أمة زرية » .

*          *          *

     ومن المشاهدات التى يلحظها العقاد ، أنه على كثرة ما قدم الألمان للعالم فى أبواب العلم والفن والصناعة ، لم يفيدوه شيئًا فى باب العلم السياسى والأصول الدستورية . فالدولة عند فيلسوفهم الكبير « هيجل » ـ « هى مسألة الحق وخلاصة التاريخ وصورة المشيئة الإلهية .. » ، والقانون عند فقهائهم هو « سر العنصر » أو لباب الروح القومى Volksgeist ليس هو بالعدل المطلق الذى يعم جميع الأقوام ولو فى المبدأ والقاعدة ..

     وهذا التفاوت الذى درج عليه الألمان بين أقدار الشعوب ، يسرى على الرعايا الألمان فينقسمون إلى آريين وغير آريين ، وينقسم الآريون إلى عريقين فى الآرية ومحدثين فى الآرية . وقد كان هناك من يخالون أن حذلقة الألمان فى تفضيل أنفسهم على العالمين قد بلغت قصاراها فى الفترة التالية لعهد بسمارك وحرب السبعين ، فإذا بالنازيين يدخرون من هذا المعنى ما لا يخطر على بال ، حتى رأوا أن هذا التفاوت يمتد إلى ما بين حيوان آرى وحيوان أجنبى ، وبين فاكهة عريقة وأخرى هجينة ، حتى ليقول الجنرال « لاندورف » إن الأرنب ليس بحيوان آرى ، دليل ذلك جبنه الأليم . وقالوا إن التفاوت بين السلالة الآرية وغيرها ـ تفاوت فى تركيب الجسد ووظائف الأعضاء وخصائص النسل .

*            *            *

     ويخلص العقاد إلى أن الأمة التى تروج فيها هذه الدعوات ، ليس بعجيب أن يعلوها أضراب هتلر وجوبلز وهيس وجورينج متى أيدتهم المصادفات واندفع بهم تيار الحوادث والأزمات .

     ولا يقر العقاد ما أكبره بعض الكتاب الأوروبيين من هتلر أنه « صنع المعجزة » وأعاد إلى الألمان الثقة بأنفسهم بعد أن كانوا قد أشرفوا على الهوان ، فذلك غير صحيح ، لأن الواثق بنفسه لا يلغى حقوقه فى الحرية ، أو يسلم بإلغائها ، ولا يبنى حياته على التسليم والإذعان !

     والصحيح أن هتلر عَلَّمَ شُبّان قومه خلائق معلومة لا صعوبة فى تعلمها ، بل الصعوبة فى اقتلاعها وتبديلها !

     لقد عاش أبناء آدم ، قرونًا يعاقبون من يضرب ويعتدى ويقيدون يديه ويعايرونه بالشر والرذيلة !

     فلما جاء هتلر جعله شرفًا أن يباهى المعتدى بفجره ، ويبوء المعتدى عليه بوصمته !

     وهكذا ، فما يحسب لهتلر فى باب « المعجزات » ـ غير مستمد من رفيع الصفات ، ولا ينطوى على بطولة ، ويظل بصاحبه محصورًا فى زمرة الأواسط وأبناء المصادفات !

                                                               (يتبع)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *