فى مدينة العـقاد كتاب هتلر فى الميزان ـــ (94)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

     غير منتظر من كتاب العقاد عن هتلر ، أن يكون مرجعًا فى الحرب العالمية الثانية ، فقد صدر والحرب لما يمضى على بدايتها إلاَّ عام ، واستمرت بعد صدوره خمسة أعوام حتى سبتمبر 1945 ، تخللتها عمليات ومواقع حربية عديدة ، وأحداث جسام ، وتطورات هائلة ، وكان ذلك كله فى علم الغيب حين كتب العقاد كتابه .

     غير أن وضع هتلر فى الميزان ، يمكن أن يكفى فيه إلى جوار نفاذ بصيرة العقاد ، أن المعلومات التى كانت متوافرة عنه ، وعن أسباب وبدايات الحرب ، تتيح بالتأمل التعرف على معالم شخصيته ، وسياسته بعامة ، وجنوحاته إلى غير ذلك مما أكدته الأحداث اللاحقة ، والتى انتهت بهزيمة ألمانيا هزيمة كاملة وانتحار هتلر بعد أن أفلت منه الموقف كله ، ورأى المأساة التى تسبب فيها لبلده وللعالم ماثلة أمام عينيه !

     ومن الخواطر التى أوردها العقاد عن سياسة هتلر حتى صدور الكتاب ، أن نجاحه فى ضم السار والراين والنمسا والسوديت ، وتحطيم قيود معاهدة فرساى المبرمة بعد الحرب العظمى الأولى ، لم يكن بفضل قوة قاهرة أضفاها هتلر على ألمانيا ، فقد احتل وادى السار بعد الاستفتاء المتفق عليه ولم يمض على تقريره التجنيد الإجبارى سوى ثلاثة أشهر ، ونجاحه فى النمسا راجع إلى الفارق الكبير بين القوتين ، وإلى إحجام الدول عن حربه ، أما التخلص من قيود المعاهدات ، فقد بدأته الحكومة الألمانية من زمن قبله ، فأعلنت حكومتها سنة 1931 أنها لن تدفع التعويضات والغرامات المقررة عليها ، ثم أعفاها منها مؤتمر لوزان ، وتمت فى ديسمبر 1932 قواعد الاتفاق الخماسى على التسوية فى شروط التسلح بين ألمانيا والولايات المتحدة وإنجلترا وفرنسا وإيطاليا . واستطاع المستشار « هنريش بروننج » أن يتفق مع مندوبى إنجلترا والولايات المتحدة وإيطاليا ـ على إباحة توريد السلاح وتحصين الحدود وزيادة الجيش وإجازة تدريب الجنود المرابطين .

     ومن يقرأ مذكرات الثعلب البريطانى الأريب ونستون تشرشل عن الحرب العالمية الثانية ، يجد مصداقًا للنظر الذى سبق إليه العقاد ، فى أن تقدمات هتلر كانت حصاد تراجعات متتالية من المعسكر المقابل ، فى سياسات عقيمة لم تحسن التوقع ولم تنهض للفعل فى أوانه .

     أما اعتداء هتلر على الضعفاء وقتل الخصوم والأصدقاء ، واختياره الإرهاب والإرغام بديلاً عن الإقناع ، فلم يكن لمجد ألمانيا أو لمجد الآريين ، وإنما لأنه « مجرم النفس » ، يتنفس الإجرام !

*               *               *

     وقد اجتهد العقاد فى حدود المعلومات المتاحة حين كتب ، فى إحصاء مطالب ألمانيا وشكاياتها ، الصحيح منها والمفتعل أو المصطنع ، بما فى ذلك شكايتها من « قسمة العيش» بدعوى كثرة السكان وازحامهم فى أرض لا تكفيهم ، مع أنهم يشجعون النسل ويبذلون معونات للزواج لمجد الشعب الألمانى وزيادته ، ويقيدون الهجرة من بلادهم ، ويسعون فى طلب الأيدى العاملة من إيطاليا والمجر وبوهيميا ومورافيا وبولونيا وغيرها ، وفى الوصية الأولى من الوصايا العشر التى نشروها فى ديسمبر 1934 وسموها وصايا    « غزوة الإنتاج » ، أن ألمانيا فقيرة فى مساحة الأرض ولكنها غنية بسكانها ومواردها .

     ومن القبح مع هذه الشكوى أن يعتبر النازيون قتل جيرانهم حقًّا مشروعًا ، وأنه الحل لتحقيق تطلعات دولتهم . ولم تكن سياسة أو ذريعة المستعمرات ، إلاَّ فرعًا من هذه المطامع التى من العبث تضييع الوقت فى تفنيد مزاعم النازيين أن مطالبتهم بالمستعمرات هى لأنهم يأنفون أن تُعزى إليهم جريمة الحرب !

دانزج

ــ

     توقف العقاد أمام مسألة « دانزج » ، باعتبارها سبب الحرب المباشر وفقًا لمزاعم النازيين أنها كانت ألمانية ويجب أن تعود إلى ألمانيا ، ويتجاهلون أو يتناسون أنها لبثت مدينة حرة فى ظل السيادة البولونية ـ من منتصف القرن الخامس عشر إلى أواخر القرن الثامن عشر ، وأنها ضمت إلى بروسيا بعد هزيمة نابليون الأولى على خلاف مشيئة أهلها ، ويتجاهلون أيضًا أن حياة بولونيا تتوقف على دانزج ، بينما لا تتوقف عليها حياة ألمانيا ولو عزلت منها كل العزلة ، وهذه حقيقة عرفها الساسة الألمان من قديم الزمن .

     هذا ولم تكن سيطرة ألمانيا على دانزج ضعيفة فى نظامها الحديث الذى قررته المعاهدات بعد الحرب الأولى ، فقد كان الأمر فيها لمجلس الشيوخ والحكومة المسئولة أمامه ومعظم أعضائها ألمانيون ، ولا لبولونيا من الأمر فيها إلاَّ القسط الكافى لضمان صادراتها ووارداتها وبريدها . وغير ذلك لا ولاية لها عليها ، بل لعصبة الأمم التى تندب حاكم المدينة وترجع إليه فى العلم بأحوالها .

     ولم يحدث قط أن تعرضت بولونيا للمواصلات الألمانية ، ولم تكن تفعل سوى مراقبة   « مجاز » المهربات التى تُحمل إليها ، ولم يطلب النازيون استفتاء الشعب حول هذا       « المجاز » لمعرفة رأيه فيمن يحكمه ، فلم تكن « دانزج » هى بيت القصيد ، وإنما الغرض خنق بولونيا وما يجاورها من أمم وسط أوروبا حتى لا تجد منفذًا لتجارتها فى غير الأرض الألمانية .

     ومتى استعبدت أوروبا الوسطى ، فمصير أوروبا الشرقية وما وراءها معروف . وهذه هى الخطط النازية التى تجتمع فى خطة واحدة هى « استعباد » كل من يُبْتلى لهم بجوار أو يقف لهم فى طريق .

     ثم إن هذه المطالب النازية على ظاهرها ، لا تلجئ إلى الحرب ، إلاَّ أن يكون المقدم على الحرب من أجلها مجرمًا يجازف بسلام أمته وسلام العالم لغير ضرورة . فإذا كانت سياسة هتلر قد دعته إلى ورود هذا المورد الوبيل ، فبئس ما اختار وبئس ما فعل !

                                                                  

                                                                   (يتبع)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *