فى مدينة العـقاد كتاب هتلر فى الميزان (93)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

أفكار هتلر وأفكار غيره .

       يبدو للعقاد أنه كما حملت « الموافقات » والظروف ـ هتلر إلى سدة الحكم ، فإن الأفكار السياسية التى تبناها لم تكن من ابتكاره ولم تكن من صياغته ، وكانت شائعة فى قومه قبل عهده بجيل أو جيلين .

     فالجامعة الجرمانية التى تغنَّى بها هتلر ، ظهرت فى موطنه قبل مولده بنحو ثمانين سنة ، ودعا إليها الفيلسوف « هردر Herder » والفيلسوف « فيخته Fichte » منذ أوائل القرن التاسع عشر ، وأسهبا فيها بمزايا الجنس الجرمانى وفضله ، وأن لغته هى لغة الحكمة والفلسفة والعلم بحقائق الأشياء ، وأن حكومته هى دون غيرها التى قدرتها عناية الله لقيادة الأمم سواء بالقهر أو بالإرشاد . وما من كلمة تغنَّى بها هتلر إلاَّ ومرجعها إلى محاضرات « فيخته » الأربع عشرة التى ألقاها سنة 1807 .

     ومن قبل الحرب العظمى الماضية ، ظهرت دعوة « هر كلاس Her class » ، واقترنت بها دعوة مشابهة عرفت تارة باسم « أوروبا الوسطى » ،
وتارة باسم « الزحف على الشرق » ، وفى شرحها الوافى بكتاب
« فردريش نوما
Naumann Friedrish » ، أن التهام أوروبا الوسطى قد يتأتى بمجرد الإرهاب بغير قتال .

       أما قداسة الجنس الآرى ، فقد بشر بها آخرون منذ منتصف القرن التاسع عشر قبل مولد هتلر بنحو أربعين سنة ، وفيها ألف الإنجيلزى « هوستون ستيوارت شمبرلين » ، الذى تجرمن وتزوج ببنت « فاجنر » الموسيقار الجرمانى الكبير ، وألف كتابه « أساس القرن التاسع عشر » الذى أشاد فيه بالعبقرية الألمانية .

     والحركة النازية ذاتها سابقة بجملتها وتفاصيلها على هتلر ، فقد ظهرت فى أوائل القرن التاسع عشر على يد « Vater Jahn » الخطيب المتهوس الذى نظم فى ألمانيا فرق القمصان الرمادية والأندية الرياضية ، وبلغ من جنونه أن أشار بإقامة السدود بين ألمانيا وفرنسا ، وبغرس الغابات التى تملأها الضوارى والسباع لصيانة الدم الألمانى من التلوث بأوشاب الأمم الأخرى !

       وعلى جهل هذا الرجل وفراغ عقله ، أهدت إليه جامعات ألمانيا ألقاب الشرف
العلمية والفلسفية . ولم يتورع الأدباء والشعراء عن تمجيده ، وقال فيلسوفهم
« ترتيشكه
Treitschke » : « إن هذه الحركة ذات جذور متأصلة فى قراره الخليقة الألمانية ».

       ولم يكن هتلر أول الداعين لعداوة اليهود ، فقد كانت مذابح اليهود فى أوروبا الوسطى وأوروبا الشرقية أقدم من مولده بمئات السنين .

     كذلك الصليب المعقوف « شارة النازية » ، لم يخترعه هتلر بل اقتبسه من الجنود الألمان الذين عادوا من « فنلندا » بعد أن حاربوا فيها الجيش الأحمر ، ولم يتغير فيه سوى لونه من أزرق إلى أسود .

     وما حركة القمصان فى ألمانيا الحديثة ، إلاّ نسخة مستعارة من حركة القمصان فى إيطاليا الحديثة . كذلك الفلسفة النازية لا سيما فى حملتها على الديمقراطية ، فهى محاكاة للحكم التيموقراطى Timocracy الذى ذكره أفلاطون ، وصفة الرجل فيه أن يكون غليظًا فى معاملة العبيد ، وألاَّ يتوسل للحكم بالفصاحة بل بالسلاح .

     وأعجب من ذلك فيما يقول العقاد ـ أن هتلر لم ينشئ الحزب الذى صار رئيسًا له ، بل أنشأه « دركسلر Drexler » وبعض رفاقه ، ولم ينشئ فرقة واحدة من فرق الجيوش الأهلية كفرقة القمصان البنّية أو الحرس السوداء ، بل أنشأها بعض الضباط القدماء .

     ليس إذن فى سيرة هتلر أو فى فكره ما يتبوأ به زعامة حقيقية ، وإنما تقلد هذه الزعامة لكونه « الأنسب » وفرق عظيم بين الأقدر والأنسب !

     ومن الوهم الكبير ما جرت به الدعاية النازية بعد احتلال وادى الراين والنمسا ، أن زعيمهم لا يخطئ . فلا تقدير ولا حساب لغلبة ثمانين مليونًا لسبعة أو لثمانية ملايين ، فتلك بديهية لا تنم عن دقة حساب ، وإنما الحساب الصحيح أن يمضى هتلر فى سياسته دون أن يوقظ خصومه أو يلجئهم إلى عزيمة الحرب ، وهذا هو ما تردى فيه ، وهو ولا شك أفشل حساب ، وكل خططه وخطواتة وحساباته تشهد بذلك !

 

لماذا اختاروه ؟

 

   يسبق هذا السؤال سؤال واجب : من الذى اختاره ؟ وما معنى اختيارهم إياه ؟ لم يكن الثمانون مليونا هم الذين اختاروه ، ولا كان معناه أن مؤسسى الحزب النازى امتلكوا السيطرة على الأمة الألمانية بأسرها ، ولا أنهم أصحاب ميزان لا يختل ولا يخطئ ، وإنما معناه أن خمسة أو ستة من المشتغلين بالسياسة نظروا فى متناول أيديهم فوجدوا فى هتلر الشروط التى يطلبونها .

     ألاّ يكون من طبقة النبلاء ، لأن السخط عليهم كان على أشده ، وكان هتلر فقيرًا من أبناء الموظفين الصغار .

     وأن يكون خاليا من الروابط الاجتماعية وكان هتلر كذلك ، ولا يخسر شيئًا من التفرغ لصناعة السياسة المطلوبة .

     وأن يكون موافقًا للبيئة البافارية ، وهى بيئة محافظة قريبة إلى أحزاب اليمين ، لأن البافاريين تابعون للكنيسة الكاثوليكية ونفوذها بينهم عظيمًا ، وكان هتلر كاثوليكيا فى نشأته وإن لم يكن من المتعبدين ، وكان مجندًا فى جيش بافاريا .

       والشرط الرابع ، أن يكون « مهاودًا » لزملائه ، أو لا يكون من الشخصيات المخيفة المهيبة المرهوبة ، وكان ذلك حال هتلر فى ذلك الوقت .

       لا يعنى ذلك أن هتلر محروم من العزيمة والإرادة ، ولكنها لم تكن من النوع الكاسر الذى يروع لأول نظرة ، وإنما أشبه بالعزيمة التى تصل بالدأب والإلحاح والعناد إلى
ما تريد . أما ما صار إليه حين تسلم السلطة لسنوات وجمع المقاليد فى يده ، فإنه لم يكن حاله أو حاله الظاهر فى البدايات .

     هذا عن الشروط « السلبية » أما الشروط التى تدخل فى باب « المزايا » ، فهى الخطابة والحماسة والذكاء والاهتمام بالسياسة والإلمام بالمعارف العامة ، وكانت موفورة فى هتلر الجهورى الصوت الشديد العصبية الجرمانية العظيم اللدد فى الخصومة الحزبية ، الذكى الملم بمبادئ الأحزاب المختلفة .

       ولندرة اجتماع هذه وتلك من الشروط ، رحب به القلائل المبتدئون الذين لم يبلغوا بعد مبلغ الهيمنة على عقول السواد ، فكان هذا الاختيار ثم سرعان ما تكشف عندما كبر
الحزب ، أنه فى حاجة إلى كثير من التشذيب ، فبذل له على نظام تحضير الممثل لدوره المرسوم ، وخلاصة الأمر أن زعامة هتلر معناها أنه وافق المطلوب فى حدود الطاقة ، وأنه حين استقر فى الزعامة لم يعد من السهل إجلاؤه عنها !

                                                                    ( يتبع )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *